التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم انتقل - سبحانه - إلى الاستدلال على إمكانية البعث بطريق ثالث فقال :﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً. أَحْيَآءً وَأَمْواتاً. وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
والكِفات : اسم للمكان الذى يكفت فيه الشئ. أى ؛ يجمع ويضم ويوضع فيه.
يقال : كفت فلان الشئ يكفِتُه كَفْتاً، من باب ضرب - إذا جمعه ووضعه بداخل شئ معين، ومنه سمى الوعاء كفاتا، لأن الشئ يوضع بداخله، وهو منصوب على أنه مفعول ثان لقوله ﴿نجعل﴾ لأن الجعل هنا بمعنى التصيير. وقوله :﴿أَحْيَآءً وَأَمْواتاً﴾ منصوبان على أنهما مفعولان به، لقوله ﴿كِفَاتاً﴾ أو مفعولان لفعل محذوف.
أى : لقد جعلنا الأرض وعاء ومكانا تجتمع فيه الخلائق : الأحياء منهم يعيشون فوقها، والأموات منهم يدفنون فى باطنها، ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ - أيضا - جبالا ﴿رَوَاسِيَ﴾ أى ثوابت ﴿شَامِخَاتٍ﴾ أى : مرتفعات ارتفاعا كبيرا، جمع شامخ وهو الشديد الارتفاع.
قال صاحب الكشاف : الكفات : من كفت الشئ إذا ضمه وجمعه.. وبه انتصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْواتاً﴾ كأنه قيل : كافتة أحياء وأمواتا، أو انتصبا بفعل مضمر يدل عليه، وهو تكفت.
والمعنى : تكفت أحياء على ظهرها، وأمواتا فى بطنها.
فإن قلت : لم قيل أحياء وأمواتا على التنكير، وهى كفات الأحياء والأموات جميعا ؟ قلت : هو من تنكير التفخيم، كأنه قيل : تكفت أحياء لا يعدون، وأمواتاً لا يحصرون..
وقوله - سبحانه - ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾ بيان لنعمة أخرى من أجل نعمه على خلقه، أى : وأسقيناكم - بفضلنا ورحمتنا - ماء ﴿فُرَاتاً﴾ أى : عذبا سائغا للشاربين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى