البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿فالعاصفات﴾، قال ابن مسعود : الشديدات الهبوب.
وقيل : الملائكة تعصف بأرواح الكفار، أي تزعجها بشدّة، أو تعصف في مضيها كما تعصف الرّياح تحققاً في امتثال أمره.
وقيل : هي الآيات المهلكة، كالزلازل والصواعق والخسوف.
واختار الزمخشري من الأقوال أن تكون ﴿والمرسلات﴾ إلى آخر الأوصاف : إما للملائكة، وإما للرّياح.
فللملائكة تكون عذراً للمحققين، أو نذراً للمبطلين ؛ وللرّياح يكون المعنى : فألقين ذكراً، إما عذراً للذين يعتذرون إلى الله تعالى بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرونها، وإما إنذاراً للذين يغفلون عن الشكر لله وينسبون ذلك إلى الأنواء، وجعلن ملقيات للذكر لكونهن سبباً في حصوله إذا شكرت النعمة فيهن، أو كفرت، قاله الزمخشري.
والذي أراه أن المقسم به شيئان، ولذلك جاء العطف بالواو في ﴿والناشرات﴾، والعطف بالواو يشعر بالتغاير، بل هو موضوعه في لسان العرب.
وأما العطف بالفاء إذا كان في الصفات، فيدل على أنها راجعة إلى العاديات، وهي الخيل ؛ وكقوله :
يا لهف زيابة للحارث فالصابح فالغانم فالآيب
فهذه راجعة لموصوف واحد وهو الحارث.
فإذا تقرر هذا، فالظاهر أنه أقسم أولاً بالرياح، فهي مرسلاته تعالى، ويدل عليه عطف الصفة بالفاء، كما قلنا، وأن العصف من صفات الريح في عدّة مواضع من القرآن.
والقسم الثاني فيه ترق إلى أشرف من المقسم به الأول وهم الملائكة، ويكون ﴿فالفارقات﴾، ﴿فالملقيات﴾ من صفاتهم، كما قلنا في عطف الصفات وإلقاؤهم الذكر، وهو ما أنزل الله، يصح إسناده إليهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى