جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : إنّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ يقول تعالى ذكره : إن جهنم ترمي بشرر كالقصر، فقرأ ذلك قرّاء الأمصار : كالْقَصْرِ بجزم الصاد.
واختلف الذين قرأوا ذلك كذلك في معناه، فقال بعضهم : هو واحد القصور. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : إنّها تَرْمي بِشَرَرٍ كالْقَصْرِ يقول : كالقصر العظيم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد إنّها تَرْمي بِشَرَرٍ كالْقَصْرِ قال : ذكر القصر.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يزيد بن يونس، عن أبي صخر في قول الله : إنّها تَرْمي بِشَرَرٍ كالْقَصْرِ قال : كان القرظي يقول : إن على جهنم سورا، فما خرج من وراء السور مما يرجع فيها في عظم القصر، ولون القار.
وقال آخرون : بل هو الغليظ من الخشب، كأصول النخل وما أشبه ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، قال : سألت ابن عباس عن قوله : إنّها تَرْمي بِشَرَرٍ كالْقَصْرِ قال : القصر : خشب كنا ندّخره للشتاء ثلاث أذرع، وفوق ذلك، ودون ذلك كنا نسميه القصر.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، قال : سمعت عبد الرحمن بن عابس، قال : سمعت ابن عباس يقول في قوله : إنّها تَرْمي بِشَرَرٍ كالْقَصْرِ قال : القصر : خشب كان يُقْطع في الجاهلية ذراعا وأقلّ أو أكثر، يُعْمَد به.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، قال : سمعت ابن عباس يقول في قوله : إنّها تَرْمي بِشَرَرٍ كالْقَصْرِ قال : كنا في الجاهلية نقصر ذراعين أو ثلاث أذرع، وفوق ذلك ودون ذلك نسميه القصر.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله إنّها تَرْمي بشَرَرٍ كالْقَصْرِ فالقصر : الشجر المقطع، ويقال : القصر : النخل المقطوع.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى : وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : كالْقَصْرِ قال : حزم الشجر، يعني الحزمة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في هذه الآية إنّها تَرْمي بِشَرَرٍ كالْقَصْرِ قال : مثل قَصْر النخلة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّها تَرْمي بِشَرَرٍ كالْقَصْرِ أصول الشجر، وأصول النخل.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة بِشَرَرٍ كالْقَصْرِ قال : كأصل الشجر.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : بِشَرَرٍ كالْقَصْرِ القصر : أصول الشجر العظام، كأنها أجواز الإبل الصفر وسط كل شيء جوزُه، وهي الأجواز.
حدثنا أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا حجاج، عن هارون، قال : قرأها الحسن : كالْقَصْرِ وقال : هو الجزل من الخشب قال : واحدته : قصرة وقصر، مثله : جمرة وجمر، وتمرة وتمر.
وذُكر عن ابن عباس أنه قرأ ذلك :«كالْقَصَرِ » بتحريك الصاد.
حدثني أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا حجاج، عن هارون، قال : أخبرني حسين المعلم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أنه قرأها :«كالقَصَرِ » بفتح القاف والصاد.
قال : وقال هارون : أخبرني أبو عمرو أن ابن عباس قرأها :«كالْقَصَرِ » وقال : قصر النخل، يعني الأعناق.
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو سكون الصاد، وأولى التأويلات به أنه القصر من القصور، وذلك لدلالة قوله : كأنهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ على صحته، والعرب تشبه الإبل بالقصور المبنية، كما قال الأخطل في صفة ناقة :
كأنها بُرْجُ رُوميَ يُشَيّدُهلُزّ بِجصّ وآجُرَ وأحْجارِ
وقيل : بِشَرَرٍ كالقَصْرِ ولم يقل كالقصور، والشررِ : جماع، كما قيل : سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلّونَ الدّبُرَ ولم يقل الأدبار، لأن الدبر بمعنى الأدبار، وفعل ذلك توفيقا بين رؤوس الآيات ومقاطع الكلام، لأن العرب تفعل ذلك كذلك، وبلسانها نزل القرآن. وقيل : كالقصر، ومعنى الكلام : كعظم القصر، كما قيل : تَدوُر أعُيُنهم كالذي يُغْشَى عليه مِنَ الموتِ ولم يقل : كعيون الذي يغشى عليه، لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، أنه سأل الأسود عن هذه الاَية : تَرْمي بِشَرَرٍ كالْقَصْرِ فقال : مثل القصر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى