الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿جِمَالَةٌ﴾ : قرأ الأخَوان وحَفْصٌ " جِمالَةٌ ". والباقون " جِمالات ". فالجِمالَةُ فيها وجهان، أحدُهما : أنَّها جمعٌ صريحٌ، والتاءُ لتأنيثِ الجمعِ. يُقال : جَمَلٌ وجِمال وجِمالَة نحو : ذَكَر وذِكار وذِكارة، وحَجَر وحِجارة. والثاني : أنه اسمُ جمعٍ كالذِّكارة والحِجارة، قاله أبو البقاء، والأولُ قولُ النُّحاةِ. وأمَّا جِمالات فيجوزُ أَنْ يكونَ جمعاً ل " جِمالة " هذه، وأَنْ يكونَ جمعاً ل جِمال، فيكون جمعَ الجمعِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ جمعاً ل جَمَل المفردِ كقولهم :" رجِالات قريش " كذا قالوه. وفيه نظرٌ ؛ لأنَّهم نَصُّوا على أنَّ الأسماءَ الجامدةَ غيرَ العاقلةِ لا تُجْمَعُ بالألفِ والتاءِ، إلاَّ إذا لم تُكَسَّرْ. فإنْ كُسِّرَْتْ لَم تُجْمَعْ. قالوا : ولذلك لُحِّن المتنبيُّ في قولِه :
إذا كان بعضُ الناسِ سَيْفاً لدولةٍففي الناسِ بُوْقاتٌ لها وطُبولُ
فجمع " بُوقاً " على " بُوقات " مع قولِهم :" أَبْواق "، فكذلك جِمالات مع قولهم : جَمَل وجِمال. على أنَّ بعضَهم لا يُجيزُ ذلك، ويَجْعَلُ نحو " : حَمَّامات وسِجلاَّت شاذَّاً، وإنْ لم يُكَسَّرْ.
وقرأ ابنُ عباس والحسنُ وابن جبير وقتادةُ وأبو رجاء، بخلافٍ عنهم، كذلك، إلاَّ أنَّهم ضَمُّوا الجيمَ وهي حِبالُ السفنِ. وقيل : قُلوس الجسورِ، الواحدةِ " جُمْلة " لاشتمالِها على طاقاتِ الحِبال. وفيها وجهان، أحدهما : أَنْ تكونَ " جُمالات " جمعَ جُمال، وجُمال جَمْعَ جُمْلة، كذا قال الشيخ، ويَحْتاجُ في إثباتِ أنَّ جُمالاً بالضمِّ جمعُ جُمْلة بالضمِّ إلى نَقْلٍ. والثاني : أنَّ " جُمالات " جمعُ جُمالة قاله الزمخشري، وهو ظاهرٌ. وقرأ ابنُ عباس والسُّلَمِيُّ وأبو حيوةَ " جُمالة " بضمِّ الجيم، وهي دالَّةٌ لِما قاله الزمخشريُّ آنِفاً.
قوله :﴿صُفْرٌ﴾ صفةٌ لجِمالات أو لِجمالة ؛ لأنَّه : إمَّا جمعٌ أو اسمُ جمعٍ. والعامَّة على سكونِ الفاءِ جمعَ صفْراء. والحسنُ بضمِّها، وكأنَّه إتْباعٌ. وَوَقَعَ التشبيهُ هنا في غايةِ الفصاحةِ. قال الزمخشريُّ :" وقيل : صُفْرٌ سُوْدٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفرة. وفي شعرِ عمرانَ بنِ حِطَّانَ الخارجيِّ :
دَعَتْهُمْ بأعلَى صوتِها ورَمَتْهُمُبمثل الجِمال الصفر نَزَّاعةِ الشَّوى
وقال أبو العلاء المعري :
حمراءُ ساطِعَةُ الذوائب في الدُّجَىتَرْمي بكل شَرارةٍ كطِرافٍ
فشبَّهها/ بالطِّراف، وهو بيت الأُدَم في العِظَمِ والحُمْرَةِ، وكأنه قَصَدَ بخُبْثِه أَنْ يزيدَ على تشبيهِ القرآن. ولتبجُّحه بما سُوِّل له مِنْ تَوَهُّم الزيادة جاءَ في صَدْرِ بيتِه بقولِه :" حمراءُ " توطئةً لها ومناداةً عليها، وتَنْبيهاً للسامِعين على مكانِها. ولقد عَمِيَ جمع الله له عَمى الدَّارَيْن عن قولِه عزَّ وجلَّ :" كأنه جِمالةٌ صُفْرٌ " فإنه بمنزلةِ قولِه كبيتٍ أحمر. وعلى أنَّ في التشبيهِ بالقَصْر وهو الحِصْنُ تشبيهاً مِنْ جهتَين : مِنْ جهةِ العِظَمِ، ومن جهةِ الطولِ في الهواءِ، وفي التشبيه بالجِمالات وهي القُلُوسُ تشبيهٌ مِنْ ثلاثِ جهاتٍ : الطُّولِ والعِظَمِ والصُّفْرةِ " انتهى. وكان قد قال قبلَ ذلك بقليلٍ :" شُبِّهَتْ بالقُصورِ ثم بالجِمال لبيانِ التشبيهِ، ألا ترى أنَّهم يُشَبِّهون الإِبلَ بالأَفْدان " قلت : الأَفْدانُ : القصورُ، وكأنه يُشيرُ إلى قولِ عنترة :
فوقَفْتُ فيها ناقتي وكأنَّهافَدَنٌ لأَقْضِيَ حاجةَ المُتَلَوِّمِ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى