اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى «﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ﴾.
قال الزمخشريُّ(١) :«كلاَّ » ردع عن الكسب الرَّائن على قلوبهم.
وقال القفالُ(٢) : إنَّ الله - تعالى - حكى في سائر السور عن هذا المعتدي الأثيم، أنه كان يقول : إن كانت الآخرة حقًّا، فإن الله - تعالى - يعطيه مالاً وولداً، ثم كذَّبه الله - تعالى - بقوله :﴿أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾ [مريم: ٧٨].
وقال أيضاً :﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦] ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: ٥٠]، فلمَّا تكرَّر ذكره في القرآن، ترك الله ذكره - هاهنا - وقال تعالى :﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ أي : ليس الأمر كما يقولون من أن لهم في الآخرة الحسنى، بل هم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. وقال ابن عباس أيضاً :«كلاَّ » يريد لا يصدقون ثم أستأنف فقال :﴿إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾(٣) وقيل : قوله تعالى :«كلاّ »َ تكرير، وتكون «كلاَّ » هذه المذكورة في قوله :«كلا »، بل ران على قلوبهم.
قوله :﴿عَن رَّبِّهِمْ﴾. متعلق بالخبر، وكذلك «يومئذ »، والتنوين عوض عن جملة، تقديرها :«يوم إذْ يقوم الناس » ؛ لأنه لم يناسب إلا تقديرها.

فصل في حجب الكفار عن رؤية ربهم


قال أكثر المفسرين : محجوبون عن رؤيته، وهذا يدل على أن المؤمنين يرون ربهم - سبحانه وتعالى - ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة.
وأيضاً فإنه - تعالى - ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد، والتهديد للكفار، وما يكون وعيداً وتهديداً للكفَّار لا يجوز حصوله للمؤمنين، وأجاب المعتزلة عن هذا بوجوه :
أحدها : قال الجبائي(٤) : المراد أنهم محجوبون عن رحمة ربهم أي : ممنوعون كما تحجب الأم بالإخوة من الثُّلث إلى السُّدس، ومن ذلك يقال لمن منع من الدخول : حاجب.
وثانيها : قال أبو مسلم :«لمحجوبون » غير مقربِّين، والحجاب : الرَّدُ، وهو ضد القبول، فالمعنى : أنهم غير مقبولين عند الرؤية، فإنه يقال : حُجِبَ عن الأمير، وإن كان قد رآه عن بعدٍ، بل يجب أن يحمل على المنع من رحمته.
وثالثها(٥) : قال الزمخشريُّ(٦) : كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم ؛ لأنه لا يرد على الملوك إلا المكرَّمين لديهم، ولا يُحجب عنهم إلا المبانون عنهم.
والجواب : أن الحجب في استعمالاته مشترك في المنع، فيكون حقيقة فيه، ومنع العبد بالنسبة إلى الله تعالى، إمَّا عن العلم، وإمَّا عن الرؤية، والأول : باطل ؛ لأن الكفَّار يعلمون الله تعالى، فوجب حمله على الرؤية.
وأمَّا الوجوه المذكورة فهو عدول عن الظاهر من غير دليل، ويؤيد ما قلنا : أقوال السَّلف من المفسرين :
قال مقاتلٌ : بل لا يرون ربَّهم بعد الحساب، والمؤمنون يرون ربهم.
وقال الكلبيُّ : محجوبون عن رؤية ربهم والمؤمن لا يحجبُ(٧)، وسُئلَ مالكُ بنُ أنسٍ - رضي الله عنه - عن هذه الآية، فقال : كما حجب الله تعالى أعداءه فلم يروهُ، ولا بد أن يتجلَّى لأوليائه حتى يروه.
وعن الشَّافعيُّ - رحمه الله - كما حجب قومٌ بالسُّخطِ دلَّ على أنهم يرونهُ بالرضا.
١ ينظر الكشاف ٤/٧٢١- ٧٢٢..
٢ ينظر الرازي ٣١/٧٨..
٣ ذكره البغوي (٤/٤٦٠)..
٤ ينظر: الفخر الرازي ٣١/٨٧..
٥ في أ: رابعها..
٦ ينظر: الكشاف ٤/٧٢٢..
٧ ذكره الرازي في "تفسيره" (٣١/٨٨) عن الكلبي..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى