التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ختم - سبحانه - هذه التهديدات بقوله :﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾.
واسم الإِشارة " هذه " يعود إلى الآيات المتقدمة، المشتملة على الكثير من القوارع والزواجر.
والتذكرة : اسم مصدر بمعنى التذكير والاتعاظ والاعتبار. ومفعول " شاء " محذوف.
والمعنى : إن هذه الآيات التى سقناها لكم تذكرة وموعظة، فمن شاء النجاة من أهوال يوم القيامة، فعليه أن يؤمن بالله - تعالى - إيمانا حقا، وأن يتخذ بسبب إيامنه وعمله الصالح، طريقا وسبيلا إلى ربه ورحمته ومغفرته.
والتعبير بقوله :{ فَمَن شَآءَ اتخذ.
.. } ليس من قبيل التخبير، وإنما المقصود به الحض والحث على سلوك الطريق الموصل إلى الله - تعالى - بدليل قوله - تعالى - قبل ذلك :﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ﴾ أى : هذه الآيات تذكرة وموعظة، فمن ترك العمل بها ساءت عاقبته، ولم يكن من الذين سلكوا طريق النجاة.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - :﴿وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، - من أول السورة إلى هنا - يراها قد نادت الرسول ﷺ نداء فيه ما فيه من الملاطفة والمؤانسة، وأمرته بأن يقوم الليل إلا قليلا متعبدا لربه، كما أمرته بالصبر على أذى المشركين، حتى يحكم الله - تعالى - بينه وبينهم.
كما يراها قد هددت المكذبين بأشد أنواع التهديد، وذكرتهم بأهوال يوم القيامة، وبما حل بالمكذبين من قبلهم، وحرضتهم على سلوك الطريق المستقيم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى