المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
واختلف الناس في معنى قوله :﴿بأيكم المفتون﴾. فقال أبو عثمان المازني : الكلام تام في قوله :﴿يبصرون﴾، ثم استأنف قوله :﴿بأيكم المفتون﴾، وقال الأخفش : بل الإبصار عامل في الجملة المستفهم عنها في معناها، وأما الباء فقال أبو عبيدة معمر وقتادة : هي زائدة، والمعنى : أيكم المفتون(١). وقال الحسن والضحاك :﴿المفتون﴾ بمعنى الفتنة، كما قالوا : ما له معقول(٢)، أي عقل، وكما قالوا : اقبل ميسوره ودع معسوره، فالمعنى :﴿بأيكم﴾ هي الفتنة والفساد الذي سموه جنوناً، وقال آخرون :﴿بأيكم﴾ فتن ﴿المفتون﴾ وقال الأخفش، المعنى :﴿بأيكم﴾ فتنة ﴿المفتون﴾، ثم حذف المضاف وأقيم ما أضيف إليه مقامه، وقال مجاهد والفراء : الياء بمعنى : في أي، في أي فريق منكم النوع المفتون.
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول حسن قليل التكلف، ولا نقول إن حرفاً بمعنى حرف، بل نقول إن هذا المعنى يتوصل إليه ب «في » وبالباء أيضاً، وقرأ ابن عبلة «في أيكم المفتون ».
١ وزيادة الباء كثيرة في كلام العرب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تنبت بالدهن﴾، وقوله تعالى: ﴿يشرب بها عباد الله﴾، ومنه قول الراجز:
نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج
أي: ونرجو الفرج، هذا والفلج- بفتح الفاء واللام- : مدينة بأرض اليمامة كانت لبني جعدة- (راجع الخزانة، وشواهد المغني، والاقتضاب)..

٢ من كلام العرب: "مالفلان مجلود ولا معقول"، أي ماله عقل ولا جلادة، وقال الراعي:
حتى إذا لم يتركوا لعظامه لحما ولا لفؤاده معقولا
أي عقلا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى