جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : تَجْرِي بأعْيُنِنا يقول جلّ ثناؤه : تجري السفينة التي حملنا نوحا فيها بمرأى منا ومنظر. وذُكر عن سفيان في تأويل ذلك ما :
حدثنا ابن حُميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، في قوله : تَجْرِي بأعْيُنِنا يقول : بأمرنا جَزاءً لِمنْ كَان كُفِر.
اختلف أهل التأويل في تأويله : فقال بعضهم : تأويله فعلنا ذلك ثوابا لمن كان كُفر فيه، بمعنى : كفر بالله فيه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : ثا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ قال : كَفَر بالله.
وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد جَزَاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ قال : لمن كان كفر فيه.
ووجه آخرون معنى «مَنْ » إلى معنى «ما » في هذا الموضع، وقالوا : معنى الكلام : جزاء لما كان كَفَر من أيادي الله ونَعمه عند الذين أهلكهم وغرّقهم من قوم نوح. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : جَزَاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ قال : لمن كان كفر نعم الله، وكفر بأياديه وآلائه ورسله وكتبه، فإن ذلك جزاء له.
والصواب من القول من ذلك عندي ما قاله مجاهد، وهو أن معناه : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجّرنا الأرض عيونا، فغرّقنا قوم نوح، ونجينا نوحا عقابا من الله وثوابا للذي جُحِد وكُفِر، لأن معنى الكفر : الجحود، والذي جحد ألوهته ووحدانيته قوم نوح، فقال بعضهم لبعض : لا تَذرُنّ آلهَتَكُمْ وَلا تَذَرُونّ وَدّا ولا سُواعا ولاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ ونَسْرا، ومن ذهب به إلى هذا التأويل، كانت من الله، كأنه قيل : عوقبوا لله ولكفرهم به. ولو وَجّه مَوَجّه إلى أنها مراد بها نوح والمؤمنون به كان مذهبا، فيكون معنى الكلام حينئذٍ، فعلنا ذلك جزاء لنوح ولمن كان معه في الفلك، كأنه قيل : غرقناهم لنوح ولصنيعهم بنوح ما صنعوا من كفرهم به.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى