روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر﴾ حكاية لما قاله سبحانه وتعالى بصالح عليه السلام وعداً له ووعيداً لقومه، والسين لتقريب مضمون الجملة وتأكيده، والمراد بالغد وقت نزول العذاب الدنيوي بهم، وقيل : يوم القيامة فهو لمطلق الزمان المستقبل وعبر به لتقريبه، وعليه قول الطرماح :
ألا عللاني قبل نوح النوائحوقبل اضطراب النفس بين الجوانح
وقبل ( غد ) يا لهف نفسي على غدإذا راح أصحابي ولست برائح
أي ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ البتة عن قريب ﴿مَّنِ الكذاب الأشر﴾ الذي حمله أشره وبطره على ما حمله أصالح أم من كذبه، والمراد سيعلمون أنهم هم الكذابون الأشرون لكن أورد ذلك مورد الإبهام إيماءاً إلى أنه مما لا يكاد يخفي، ونحوه قول الشاعر :
فلئن لقيتك خاليين لتعلمن( أيى وأيك ) فارس الأحزاب
وقرأ ابن عامر. وحمزة. وطلحة. وابن وثاب. والأعمش ستعلمون بتاء الخطاب على حكاية ما قال لهم صالح مجيباً لهم، وفي «الكشاف » أو هو كلام على سبيل الالتفات، قال «صاحب الكشف » : أي هو كلام الله تعالى لقوم ثمود على سيل الالتفات إليهم إما في خطابه تعالى لرسولنا ﷺ وهو نظير ما حكاه سبحانه عن شعيب ﴿فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ يا قوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٩] بعد ما استؤصلوا هلاكاً وهو من بليغ الكلام فيه دلالة على أنهم أحقاء بهذا الوعيد وكأنهم حضور في المجلس حول إليهم الوجه لينعى عليهم جناياتهم. وإما في خطابه عز وجل لصالح عليه السلام والمنزل حكاية ذلك الكلام المشتمل على الالتفات. وعلى التقديرين لا إشكال فيه كما توهم. ولفظ الزمخشري على الأول أدل وهو أبلغ انتهى، ومن التفت إلى ما قاله الجمهور في الالتفات لا أظنه تسكن نفسه بماذكر فتأمل، وقرأ مجاهد فيما ذكره «صاحب اللوامح ». وأبو قيس الأودي ﴿الاشر﴾ بثلاث ضمات وتخفيف الراء. ويقال : أشر وأشر كحذر وحذر فضمة الشين لغة وضم الهمزة تبع لها.
وحكى الكسائي عن مجاهد ضم الشين دون الهمزة فهو كندس. وقرأ أبو حيوة ﴿الاشر﴾ أفعل تفضيل أي الأبلغ في الشرارة وكذا قرأ قتادة. وأبو قلابة أيضاً وهو قليل الاستعمال وإن كان على الأصل كالأخير في قول رؤبة :
بلال خير الناس وابن الأخير *** وقال أبو حاتم : لا تكاد العرب تتكلم بالأخير و ﴿الاشر﴾ إلا في ضرورة الشعر وأنشد البيت، وقال الجوهري : لا يقال ﴿الاشر﴾ إلا في لغة رديئة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى