أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾.
قوله :﴿فَتَعَاطَى﴾، قال أبو حيان في البحر : فتعاطى هو مطاوع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس وعاطاها بعضهم بعضاً، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. انتهى محل الغرض منه.
والعرب تقول : تعاطى كذا إذا فعله أو تناوله، وعاطاه إذا تناوله، ومنه قول حسان رضي الله عنه :
كلتاهما حلب العصير فعاطنيبزجاجة أرخاهما للمفصل
وقوله :﴿فَعَقَرَ﴾ أي تعاطى عقر الناقة فعقرها، فمفعولا الفعلين محذوفان تقديرهما كما ذكرنا، وعبر عن عاقر الناقة هنا بأنه صاحبهم، وعبر عنه في الشمس بأنه أشقاهم وذلك في قوله ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢].
وهذه الآية الكريمة تشير إلى إزالة إشكال معروف في الآية، وإيضاح ذلك أن الله تعالى فيها نسب العقر لواحد لا لجماعة، لأنه نال : فتعاطى فعقر، بالإفراد مع أنه أسند عقر الناقة في آيات أخر إلى ثمود كلهم كقوله في سورة الأعراف :﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧] الآية، وقوله تعالى في هود ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ في دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] وقوله في الشعراء :﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧]، وقوله في الشمس :﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤].
ووجه إشارة الآية إلى إزالة هذا الإشكال هو أن قوله تعالى ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] يدل على أن ثمود اتفقوا كلهم على عقر الناقة، فنادوا واحداً منهم لينفذ ما اتفقوا عليه، أصالة عن نفسه ونيابه عن غيره. ومعلوم أن المتمالئين على العقر كلهم عاقرون، وصحت نسبة العقر إلى المنفذ المباشر للعقر، وصحت نسبته أيضاً إلى الجميع، لأنهم متمالئون كما دل عليه ترتيب تعاطي العقر بالفاء في قوله : فتعاطا فعقر على ندائهم صاحبهم لينوب عنهم في مباشرة العقر في قوله تعالى :﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ﴾ أي نادوه ليعقرها.
وجمع بعض العلماء بين هذه الآيات بوجه آخر، وهو أن إطلاق المجموع مراداً به بعضه أسلوب عربي مشهور، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب.
وقد قدمنا في سورة الحجرات أن منه قراءة حمزة في قوله تعالى :﴿فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] بصيغة المجرد في الفعلين، لأن من قتل ومات لا يمكن أن يؤمر بقتل قاتله، بل المراد في إن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر، ونظيره قول ابن مطيع :
فإن تقتلونا عند حرة واقمفإنا على الإسلام أول من قتل
أي فإن تقتلوا بعضنا، وأن منه أيضاً :﴿قَالَتِ الأعراب ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ [الحجرات: ١٤] لأن هذا في بعضهم دون بعض. بدليل قوله تعالى :﴿وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر﴾ إلى قوله ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩].
وقد قدمنا في الحجرات وغيرها، أن من أصرح الشواهد العربية في ذلك قول الشاعر :
فسيف بني عبس وقد ضربوا بهنبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
وقوله تعالى :﴿فَعَقَرَ﴾ : أي قتلها. والعرب تطلق العقر على القتل والنحر والجرح ومنه قول امرئ القيس :
تقول وقد مال الغبيط بنا معاعقرت بعيري يامرأ القيس فأنزل
ومن إطلاق العقر على نحر الإبل لقري الضيف قول جرير :
تعدون عقر الذيب أفضل مجدكمبني ضوطرا لولا الكمي المقنعا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى