جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى : خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ( ٧ ) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ( ٨ )
( خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ ) يقول : ذليلة أبصارهم خاشعة، لا ضرر بها ( يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ ) وهي جمع جدث، وهي القبور، وإنما وصف جلّ ثناؤه بالخشوع الأبصار دون سائر أجسامهم، والمراد به جميع أجسامهم، لأن أثر ذلة كل ذليل، وعزّة كل عزيز، تتبين في ناظريه دون سائر جسده، فلذلك خصّ الأبصار بوصفها بالخشوع.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ( خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة، قوله :( خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ ) : أي ذليلة أبصارهم.
< ٢٢-٥٧٤ >
واختلفت القرّاء في قراءة قوله :( خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة وبعض المكيين الكوفيين ( خُشَّعًا ) بضم الخاء وتشديد الشين، بمعنى خاشع ؛ وقرأه عامة قرّاء الكوفة وبعض البصريين ( خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ ) بالألف على التوحيد اعتبارا بقراءة عبد الله، وذلك أن ذلك في قراءة عبد الله ( خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ )، وألحقوه وهو بلفظ الاسم في التوحيد، إذ كان صفة بحكم فَعَلَ ويَفْعَل في التوحيد إذا تقدّم الأسماء، كما قال الشاعر :
| وشَبابٍ حَسَنٍ أوْجُهُهمْ | مِنْ إيادِ بنِ نزارِ بْنِ مَعَد |
| يَرْمي الفِجاجَ بِها الرُّكبانَ مُعْترِضًا | أعْناقَ بُزَّلِها مرخي لَها الجُدُلُ |
وقوله ( كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ) يقول تعالى ذكره : يخرجون من قبورهم كأنهم في انتشارهم وسعيهم إلى موقف الحساب جراد منتَشر.
< ٢٢-٥٧٥ >