كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ ؛ الْمَرَاضِعُ جمعُ مُرْضِعَةٍ، وقولهُ تعالى :﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ مَجِيء أُمِّهِ، ومعنى :﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ﴾ أي مَنَعْنَاهُ، وقد يذكرُ التحريم بمعنى المنعِ، قال الشاعرُ : جَاءَتْ لِسُرْعَتِي فَقُلْتُ لَهَا اصْبرِي إنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرَامُأي مُمْتَنِعٌ.
وذلك أنَّ اللهَ تعالى أرادَ أن يَرُدَّهُ إلى أُمِّهِ، فَمَنَعَهُ من قَبولِ ثَدْي المراضعِ، فلما تَعَذرَ عليهم رضَاعُهُ ؛ ﴿فَقَالَتْ﴾ ؛ أُخته :﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ ؛ أي يَضْمَنُونَ لكم القيامَ به ورضَاعَهُ، ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ ؛ أي يُشفِقُونَ عليه وينصَحُونه، قالوا لَها : مَنْ ؟ قَالَت : أُمِّي، قالوا : ولأُمِّكِ لبَنٌ ؟ قالت : نَعَمْ ؛ لبنُ أخِي هارونَ، وكان هارونَ وُلِدَ في سنَة لا يُقتَلُ فيها صبيٌّ، فقالوا : صَدَقْتِ. فدلَّتْهُم على أُمِّ موسى، فدُفِعَ إليها لتُربيَهُ لَهم.
فلما وَجَدَ الصبيُّ ريْحَ أُمِّهِ قَبلَ ثديَيْها وأتَمَّها اللهُ ما وعدَها وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ﴾ ؛ على فِرَاقهِ، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ ؛ برَدِّ ولدِها إليها، ﴿حَقٌّ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللهَ وعدَها برَدِّ ولدِها إليها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى