الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿عَلَى استحياء﴾ في موضع الحال، أي : مستحيية متخفرة وقيل. قد استترت بكم درعها. روي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما : ما أعجلكما ؟ قالتا : وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا، فقال لإحداهما : اذهبي فادعيه لي، فتبعها موسى فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته، فقال لها : امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلما قص عليه قصته قال له. لا تخف فلا سلطان لفرعون بأرضنا.
فإن قلت : كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة، وأن يمشي معها وهي أجنبيه ؟ قلت : أما العمل بقول امرأة فكما يعمل بقول الواحد حرّاً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى في الأخبار، وما كانت إلا مخبرة عن أبيها بأنه يدعوه ليجزيه. وأما مماشاته امرأة أجنبية فلا بأس بها في نظائر تلك الحال، مع ذلك الاحتياط والتورّع.
فإن قلت : كيف صح له أخذ الأجر على البرّ والمعروف ؟ قلت : يجوز أن يكون قد فعل ذلك لوجه الله وعلى سبيل البر والمعروف. وقيل إطعام شعيب وإحسانه لا على سبيل أخذ الأجر، ولكن على سبيل التقبل لمعروف مبتدإ. كيف وقد قص عليه قصصه وعرفه أنه من بيت النبوّة من أولاد يعقوب ؟ ومثله حقيق بأن يضيَّف ويكرم خصوصاً في دار نبيّ من أنبياء الله، وليس بمنكر أن يفعل ذلك لاضطرار الفقر والفاقة طلباً للأجر. وقد روي ما يعضد كلا القولين : روي أنها لما قالت : ليجزيك، كره ذلك، ولما قدّم إليه الطعام امتنع وقال : إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهباً، ولا نأخذ على المعروف ثمناً، حتى قال شعيب : هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا.
وعن عطاء ابن السائب : رفع صوته بدعائه ليسمعهما، فلذلك قيل له : ليجزيك أجر ما سقيت، أي ؛ جزاء سقيك. والقصص : مصدر كالعلل، سمي به المقصوص.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى