البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم ذكر حكمة إرساله، فقال :
﴿وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ * ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ * ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ * ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
قلت :( لولا ) الأولى : امتناعية، وجوابها محذوف، أي : ولولا أنهم قائلون ؛ إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك، محتجين علينا :( هلا أرسلت إلينا رسولاً. . . ) إلخ ؛ لَمَا أرسلناك.
يقول الحق جل جلاله :﴿ولولا أن تصيبهم مصيبة﴾، أي : عقوبة في الدنيا والآخرة، ﴿بما﴾ ؛ بسبب ما ﴿قدمت أيديهم﴾ من الكفر والظلم، ولمّا كانت أكثر الأعمال إنما تناول بالأيدي، نسب الأعمال إلى الأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب ؛ تغليباً للأكثر على الأقل، ﴿فيقولوا﴾ عند نزول العذاب :﴿ربنا لولا﴾ ؛ هلا ﴿أرسلت إلينا رسولاً﴾ يُنذرنا ﴿فنتَّبع آياتك ونكونَ من المؤمنين﴾، فلولا احتجاجهم بذلك علينا لَمَا أرسلناك، فسبب الإرسال هو قولهم : هلا أرسلت. . . إلخ.
ولما كانت العقوبة سبباً للقول جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال، فدخلت " لولا " الامتناعية عليها، فرجع المعنى إلى قولك : ولولا قولهم هذا، إذا أصابتهم مصيبة، لما أرسلناك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : لولا احتجاج الناس على الله يوم القيامة، حين تصيبهم نقائص عيوبهم، ما بعث الله في كل زمان نذيراً طبيباً، فإذا ظهر وتوجه لتربية الناس، قالوا : لولا أُوتي مثل ما أُوتي فلان وفلان من كرامات المتقدمين، فيقال لهم : قد كان مَنْ قبلكم من الأولياء لهم كرامات، فكذَّبوهم، وأنكروا عليهم، ورموهم بالسحر والتبدع وغير ذلك، وبقوا مع هوى أنفسهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، أي : بغير تمسك بمن يهديه إلى حضرة الله، إن الله لا يهدي القوم الظالمين إلى معرفته الخاصة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى