البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وجواب ﴿لولا﴾ محذوف.
والمعنى : لولا أنهم قائلون، إذ عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي، هلا أرسلت إلينا رسولاً ؟ محتجين بذلك علينا ما أرسلنا إليهم : أي إنما أرسلنا الرسل إزالة لهذا العذر، كما قال :﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ أن ﴿تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير﴾ وتقدير الجواب : ما أرسلنا إليهم الرسل، هو قول الزجاج.
وقال ابن عطية : تقديره : لعاجلناهم بما يستحقونه.
والمصيبة : العذاب.
ولما كان أكثر الأعمال تزاول بالأيدي، عبر عن كل عمل باجتراح الأيدي، حتى أعمال القلوب، اتساعاً في الكلام، وتصيير الأقل تابعاً للأكثر، وتغليب الأكثر على الأقل.
والفاء في ﴿فيقولوا﴾ للعطف على نصيبهم، ولولا الثانية للتحضيض.
وفنتبع : الفاء فيه جواب للتحضيض.
وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف استقام هذا المعنى، وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول لدخول حرف الامتناع عليها دونه ؟ قلت : القول هو المقصود بأن يكون سبباً لإرسال الرسل، ولكن العقوبة، لما كانت هي السبب للقول، فكان وجوده بوجودها، جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال بواسطة القول، فأدخلت عليها لولا، وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء المعطية معنى السببية، ويؤول معناها إلى قولك : ولولا قولهم هذا، ﴿إذا أصابتهم مصيبة﴾ لما أرسلنا، ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة، وهو أنهم لم يعاقبوا مثلاً على كفرهم، وقد عاينوا ما ألجئوا به إلى العلم اليقين.
لم يقولوا : لولا أرسلت إلينا رسولاً، وإنما السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير، لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم.
وفي هذا من الشهادة القوية على استحكام كفرهم ورسوخهم فيه ما لا يخفى، كقولهم :﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ انتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى