البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿فإذا قرأناه﴾ عليك، ﴿فاتبع قرآنه﴾ بأنك فعلت تلك الأفعال.
﴿فإذا قرأناه﴾ : أي الملك المبلغ عنا، ﴿فاتبع﴾ : أي بذهنك وفكرك، أي فاستمع قراءته، قاله ابن عباس.
وقال أيضاً هو قتادة والضحاك : فاتبع في الأوامر والنواهي.
وفي كتاب ابن عطية، وقرأ أبو العالية : فإذا قرته فاتبع قرته، بفتح القاف والراء والتاء من غير همز ولا ألف في الثلاثة، ولم يتكلم على توجيه هذه القراءة الشاذة، ووجه اللفظ الأول أنه مصدر، أي إن علينا جمعه وقراءته، فنقل حركة الهمزة إلى الراء الساكنة وحذفها فبقي قرته كما ترى.
وأمّا الثاني فإنه فعل ماض أصله فإذا قرأته، أي أردت قراءته ؛ فسكن الهمزة فصار قرأته، ثم حذف الألف على جهة الشذوذ، كما حذفت في قول العرب : ولو تر ما الصبيان، يريدون : ولو ترى ما الصبيان، وما زائدة.
وأمّا اللفظ الثالث فتوجيهه توجيه اللفظ الأول، أي فإذا قرأته، أي أردت قراءته، فاتبع قراءته بالدرس أو بالعمل.
﴿فإذا قرأناه﴾، قال ابن عباس : أنزلناه إليك، فاستمع قراءته، وعنه أيضاً : فإذا يتلى عليك فاتبع ما فيه.
وقال قتادة : فاتبع حلاله واجتنب حرامه.
وقد نمق الزمخشري بحسن إيراده تفسير هذه الآية فقال : كان رسول الله ﷺ إذا لقن الوحي، نازع جبريل القراءة ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعة إلى الحفظ وخوفاً من أن يتفلت منه، فأمر بأن يستنصت له ملقياً إليه بقلبه وسمعه حتى يقضي إليه وحيه، ثم يعقبه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه.
والمعنى : لا تحرك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل يقرأ.
﴿لتعجل به﴾ : لتأخذه على عجلة ولئلا يتفلت منك، ثم علل النهي عن العجلة بقوله :﴿إن علينا جمعه﴾ في صدرك وإثبات قراءته في لسانك.
﴿فإذا قرأناه﴾ : جعل قراءة جبريل قراءته، والقرآن القراءة، فاتبع قراءته : فكن مقفياً له فيه ولا تراسله، وطامن نفسك أنه لا يبقى غير محفوظ، فنحن في ضمان تحفيظه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى