التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري

عن الكتاب
في مطلع هذا الربع وهو فاتحة سورة " القيامة " المكية، إشارة إلى أمرين اثنين : الأمر الأول القيامة وأهوالها. والأمر الثاني : النفس وأحوالها، وكأن فاتحة هذه السورة براعة استهلال، فقد استغرق الحديث عن هذين الأمرين السورة بتمامها، من بدايتها إلى نهايتها، ﴿بسم الله الرحمان الرحيم لا أقسم بيوم القيامة١ولا أقسم بالنفس اللوامة٢﴾، والمقسم عليه في هذا المقام هو نفي ما يزعمه المشركون، من أنه لا قيام للساعة ولا بعث للإنسان، والتأكيد على إثبات المعاد، وبعث الأجساد.
أما " يوم القيامة " فمعروف، وأما " النفس اللوامة " فقد قال مجاهد : " هي التي تندم على ما فات وتلوم عليه "، وقال الحسن البصري : " إن المؤمن – والله- ما نراه إلا يلوم نفسه، ما أردت بكلمتي ؟ ما أردت بأكلتي ؟ ما أردت بحديث نفسي ؟، وإن الفاجر يمضي قدما ما يعاتب نفسه "، والأشبه بظاهر التنزيل في رأي ابن جرير أن " النفس اللوامة " هي التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات، وقال ابن عطية : " كل نفس متوسطة ليست بمطمئنة ولا أمارة بالسوء، فإنها لوامة في الطرفين، مرة تلوم على ترك الطاعة، ومرة تلوم على فوت ما تشتهي، فإذا اطمأنت خلصت وصفت، ولعل كلمة " الضمير " بالمعنى المتعارف اليوم ترادف كلمة " النفس اللوامة "، ولا سيما إذا كان ضميرا حيا لا ميتا، فوخز الضمير يشابه لوم النفس من عدة وجوه.
وتساءل كتاب الله عن الوهم الذي يداخل بعض النفوس الضعيفة، ولا سيما نفوس المشركين، وهو استبعادهم إعادة الحياة إلى الإنسان بعد موته، المعبر عنها هنا " بجمع عظامه بعد افتراقها " حيث قال تعالى :﴿أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه٣﴾، ثم أجاب كتاب الله على هذا التساؤل الغريب بما يفيد أن الله قادر على ذلك وعلى أكثر منه، وليس بعزيز على قدرته سبحانه أن ينشئ الإنسان في خلق جديد، أو أن يعيد تكوينه على ما كان عليه بأدق أجزاءه وجميع تفاصيله، بحيث لا ينقص من الإنسان المعروف أي عضو من أعضائه مهما صغر، ولا يتبدل فيه شكل أي عضو مهما دق، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى :﴿بلى قادرين على أن نسوي بنانه٤﴾، ولا غرابة في هذا، فإن الإنسان ليس إلا مخلوقا من صنع الله وإبداعه، وهو سبحانه الذي انفرد بإنشائه سلالة ونوعا وأفرادا، منذ ظهر على وجه الأرض إلى يوم الدين :﴿ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم﴾ ( الكهف : ٥١ ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى