الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
إدخال «لا » النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم قال امرؤ القيس :
لاَ وَأَبِيك ابْنَةَ الْعَامِرِيّلاَ يَدَّعِى الْقَوْمُ أَنِّي أفِرّ
وقال غوثة بن سلمى :
أَلاَ نَادَتْ أُمَامَةُ بِاحْتِمالِلِتَخْزُنَني فَلاَ بِكِ ما أُبَالِي
وفائدتها توكيد القسم، وقالوا إنها صلة مثلها في ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩] وفي قوله :
في بئْرِ لاحورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ ***
اعترضوا عليه بأنها إنما تزاد في وسط الكلام لا في أوّله، وأجابوا بأنّ القرآن في حكم سورة واحدة متصل بعضه ببعض، والاعتراض صحيح ؛ لأنها لم تقع مزيدة إلا في وسط الكلام، ولكن الجواب غير سديد. ألا ترى إلى امرئ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته. والوجه أن يقال : هي للنفي. والمعنى في ذلك أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له يدلك عليه قوله تعالى :﴿فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم ( ٧٥ ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( ٧٦ )﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦]، فكأنه بإدخال حرف النفي يقول : إنّ إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام ؛ يعني أنه يستأهل فوق ذلك. وقيل إن «لا » نفي لكلام وردّ له قبل القسم، كأنهم أنكروا البعث فقيل : لا، أي ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل : أقسم بيوم القيامة.
فإن قلت : قوله تعالى :﴿فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبيات التي أنشدتها : المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت أنّ «لا » التي قبل القسم زيدت موطئة للنفي بعده ومؤكدة له، وقدّرت المقسم عليه المحذوف ههنا منفياً، كقوله :﴿لآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة ( ١ )﴾، لا تتركون سدى ؟ قلت : لو قصر الأمر على النفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ولكنه لم يقصر. ألا ترى كيف لقي ﴿لا أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: ١]، بقوله :﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ [التين: ٤]، وكذلك ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم﴾ [الواقعة: ٧٥]، بقوله :( إنه لقرآن كريم ) وقرىء :«لأقسم » على أنّ اللام للابتداء. وأقسم خبر مبتدأ محذوف، معناه : لأنا أقسم. قالوا : ويعضده أنه في الإمام بغير ألف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى