الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿مَنْ رَاقٍ﴾ : مبتدأٌ وخبرٌ. وهذ الجملةُ هي القائمةُ مَقامَ الفاعلِ، وأصولُ البَصْريين تَقْتَضي أَنْ لا تكونَ ؛ لأنَّ الفاعلَ عندهم لا يكونُ جملةً ؛ بل القائمُ مَقامَه ضميرُ المصدرِ، وقد تقدَّمَ تحقيقُ هذا أولَ البقرة، وهذا الاستفهامُ يجوزُ أن يكونَ على بابِه، وأَنْ يكونَ استبعاداً وإنكاراً. وراقٍ اسمُ فاعلٍ : إمَّا من رَقَى يَرْقَى من الرُقية وهو كلامٌ مُعَدٌّ للاستشفاء، يُرْقَى به المريضُ لِيُشْفَى. وفي الحديث :" وما أدراكَ أنها رُقْيَةٌ " ؟ يعني الفاتحةَ وهو مِنْ أسمائِها، وإمَّا مِنْ رَقِيَ يَرْقَى، من الرُّقِيِّ وهو الصعودُ، أي : إنَّ الملائكةَ لِكراهتِها في رُوْحِه تقول : مَنْ يَصْعَد بهذه الروح ؟ يقال : رَقَى بالفتحِ من الرُّقْيَةِ، وبالكسرِ من الرُّقِيِّ. ووقف حفَص على نون " مَنْ " سكتَةً لطيفةً، وتقدَّم هذا في أولِ الكهف وتحقيقُه. وذكرَ سيبويه إنَّ النونَ تُدْغَمُ في الراءِ وجوباً بغُنَّةٍ وبغيرِها نحو : مَنْ راشِدٌ.
والعاملُ في " إذا بلغَت " معنى قولِه :﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ أي : إذا بلغَتِ الحُلْقومَ رُفِعَتْ إلى الله " ويكونُ قولُه :" وقيل : مَنْ راقٍ " معطوفاً على " بَلَغَت ".
والمِساقُ : مَفْعَل من السَّوْقِ وهو اسمُ مصدرٍ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى