تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي

عن الكتاب
لما ذكر تعالى حال أصحاب اليمين، عطف عليهم بذكر أصحاب الشمال فقال :﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ أي أيُّ شيء هم فيه أصحاب الشمال؟ ثم فسر ذلك فقال :﴿فِي سَمُومٍ﴾ وهو الهواء الحار، ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وهو الماء الحار، ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ قال ابن عباس : ظل الدخان، وهذه كقوله تعالى :﴿انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ * لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللهب﴾ [المرسلات: ٣٠-٣١] ولهذا قال هاهنا :﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ وهو الدخان الأسود ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي ليس طيب الهبوب، ولا حسن المنظر ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي ولا كريم المنظر، وقال الضّحاك : كل شراب ليس بعذب فليس كريم، هذا اللحم ليس بسمين ولا كريم، ثم ذكر تعالى استحقاقهم لذلك فقال تعالى :﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أي كانوا في الدار الدنيا منعمين، مقبلين على لذات أنفسهم، ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ﴾ أي يقيمون ولا ينوون توبة عَلَى ﴿الحنث العظيم﴾، وهو الكفر بالله، قال ابن عباس : الحنث العظيم : الشرك، وقال الشعبي : هو اليمين الغموس ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ يعني أنهم يقولون ذلك مكذبين به مستبعدين لوقوعه، قال الله تعالى :﴿قُلْ إِنَّ الأولين والآخرين * لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ أي أخبرهم يا محمد أن الأولين والآخرين من بني آدم سيجمعون إلى عرصات القيامة لا يغادر منهم أحد، كما قال تعالى :﴿ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]، ولهذا قال هاهنا :﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ أي هو موقت بوقت محدود ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضآلون المكذبون * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون﴾، وذلك أنهم يقبضون ويسجرون حتى يأكلوا من شجر الزقوم حتى يملأوا منهم بطونهم، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحميم * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ وهي الإبل العطاش واحدها أهيم والأنثى هيماء، ويقال : هائم وهائمة، قال ابن عباس ومجاهد : الهيم الإبل العطاش الظماء، وق السدي : الهيم داء يأخذ الإبل فلا تروى أبداً حتى تموت، فكذلك أهل جهنم لا يروون من الحميم أبداً، ثم قال تعالى :﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدين﴾ أي هذا الذي وصفنا هو ضيافتهم عند ربهم يوم حسابهم، كما قال تعالى في حق المؤمنين :﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفردوس نُزُلاً﴾ [الكهف: ١٠٧] أي ضيافة وكرامة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى