مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم إن الله تعالى أجابهم ورد عليهم في الجواب في كل مبالغة بمبالغة أخرى فقال :﴿قل إن الأولين والآخرين، لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾ فقوله :﴿قل﴾ إشارة إلى أن الأمر في غاية الظهور، وذلك أن في الرسالة أسرارا لا تقال إلا للأبرار، ومن جملتها تعيين وقت القيامة لأن العوام لو علموا لاتكلوا والأنبياء ربما اطلعوا على علاماتها أكثر مما بينوا وربما بينوا للأكابر من الصحابة علامات على ما نبين ففيه وجوه ( أولها ) قوله :﴿قل﴾ يعني أن هذا من جملة الأمور التي بلغت في الظهور إلى حد يشترك فيه العوام والخواص، فقال : قل قولا عاما وهكذا في كل موضع، قال : قل كان الأمر ظاهرا، قال الله تعالى :﴿قل هو الله أحد﴾ وقال :﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾ وقال :﴿قل الروح من أمر ربى﴾ أي هذا هو الظاهر من أمر الروح وغيره خفي ( ثانيها ) قوله تعالى :﴿إن الأولين والآخرين﴾ بتقديم الأولين على الآخرين في جواب قولهم :﴿أو آباؤنا الأولون﴾ فإنهم أخروا ذكر الآباء لكون الاستبعاد فيهم أكثر، فقال ( إن الأولين ) الذين تستبعدون بعثهم وتؤخرونهم يبعثهم الله في أمر مقدم على الآخرين، يتبين منه إثبات حال من أخرتموه مستبعدين، إشارة إلى كون الأمر هينا ( ثالثها ) قوله تعالى :﴿لمجموعون﴾ فإنهم أنكروا قوله :﴿لمبعوثون﴾ فقال : هو واقع مع أمر زائد، وهو أنهم يحشرون ويجمعون في عرصة الحساب، وهذا فوق البعث، فإن من بقي تحت التراب مدة طويلة ثم حشر ربما لا يكون له قدرة على الحركة، وكيف لو كان حيا محبوسا في قبره مدة لتعذرت عليه الحركة، ثم إنه تعالى بقدرته يحركه بأسرع حركة ويجمعه بأقوى سير.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى