الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ عبارة تقتضي الأمر بالإِعراض عن أقوال الكفار وسائر أمور الدنيا المختصة بها، وبالإقبال على أمور الآخرة وعبادة اللَّه تعالى، والدعاء إليه.
( ت ) : وعن جابر بن عبد اللَّه قال : قال النبي ﷺ :" مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الْجَنَّةِ " رواه الترمذي، والنسائيُّ، والحاكم، وابن حبان في «صحيحيهما »، وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم، وعند النسائِيِّ :«شَجَرَةَ » بدل «نَخْلَةَ »، وعنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قال : قال رسول اللَّه ﷺ :" إنَّ مِمَّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلاَلِ اللَّهِ التَسْبِيحَ، وَالتَّهْلِيلَ، وَالتَّحْمِيدَ يَنْعَطِفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهَا، أَمَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ أَوْ لاَ يَزَالَ لَهُ مَنْ يُذَكِّرُ بِهِ "، ورواه أيضاً ابن المبارك في «رقائقه » عن كعب، وفيه أيضاً عن كعب أَنَّهُ قال :«إنَّ لِلْكَلاَمِ الطَّيِّبِ حَوْلَ الْعَرْشِ دَوِيًّا كَدَوِيِّ النَّحْلِ يُذَكِّرْنَ بِصَاحِبِهِنَّ » انتهى. وعن أبي هريرةَ " أَنَّ النبي ﷺ مَرَّ بِهِ وَهُوَ يَغْرِسُ غَرْساً فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا الَّذِي تَغْرِسُ ؟ قُلْتُ : غِرَاساً، قَالَ : أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى غِرَاسٍ خَيْرٍ مِنْ هذا ؟ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إله إلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ؛ يُغْرَسْ لَكَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ ".
روى هذين الحديثين ابن ماجه واللفظ له، والحاكم في «المستدرك »، وقال في الأول : صحيح على شرط مسلم، انتهى من «السلاح »، ورَوَى عُقْبَةُ بن عامر قال :" لَمَّا نزلتْ :﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ قال النبيُّ ﷺ : اجْعَلُوهَا في رُكُوعِكُمْ ؛ فَلَمَّا نَزَلَتْ :﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ قَالَ : اجْعَلُوهَا في سُجُودِكُمْ "، فيحتمل أنْ يكونَ المعنى : سبح اللَّه بذكر أسمائه العلا، والاسم هنا بمعنى : الجنس، أي : بأسماء ربك، والعظيم : صفة للرب سبحانه، وقد يحتمل أَنْ يكون الاسم هنا واحداً مقصوداً، ويكون «العظيم » صفة له، فكأَنَّه أمره أَنْ يسبِّحَهُ باسمه الأعظم، وإنْ كان لم يَنُصَّ عليه، ويؤيِّدُ هذا ويشير إليه اتصالُ سورة الحديد وأوَّلُها فيها التسبيح، وجملة من أسماء اللَّه تعالى، وقد قال ابن عباس : اسم اللَّه الأعظم موجود في سَتِّ آيات من أَوَّلِ سورة الحديد، فتأمَّل هذا، فإنَّهُ من دقيق النظر، وللَّه تعالى في كتابه العزيز غوامضُ لا تكاد الأذهانِ تدركها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى