الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
المعصرات : السحائب إذا أعصرت، أي : شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك : أجز الزرع، إذا حان له أن يجز. ومنه : أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض. وقرأ عكرمة :«بالمعصرات »، وفيه وجهان : أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن تراد السحائب ؛ لأنه إذا كان الإنزال منها فهو بها، كما تقول : أعطى من يده درهما، وأعطى بيده، وعن مجاهد : المعصرات الرياح ذوات الأعاصير. وعن الحسن وقتادة : هي السموات. وتأويله : أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب، فكأنّ السموات يعصرن، أي : يحملن على العصر ويمكنّ منه.
فإن قلت : فما وجه من قرأ. ﴿مِنَ المعصرات﴾ وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير، والمطر لا ينزل من الرياح ؟ قلت : الرياح هي التي تنشىء السحاب وتدرّ أخلافه فصحّ أن تجعل مبدأ للإنزال ؛ وقد جاء : أنّ الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب، فإن صحّ ذلك فالإنزال منها ظاهر،
فإن قلت : ذكر ابن كيسان أنه جعل المعصرات بمعنى المغيثات، والعاصر هو المغيث لا المعصر. يقال : عصره فاعتصر. قلت : وجهه أن يريد اللاتي أعصرن، أي حان لها أن تعصر، أي : تغيث ﴿ثَجَّاجاً﴾ منصباً بكثرة يقال : ثجه وثج نفسه وفي الحديث :" أفضل الحج : العجّ والثجّ " أي رفع الصوت بالتلبية، وصب دماء الهدي. وكان ابن عباس مثجاً يسيل غرباً، يعني أنه يثج الكلام ثجا في خطبته. وقرأ الأعرج :«ثجاجاً » ومثاجج الماء : مصابه، والماء ينثجج في الوادي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى