كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ ؛ قال المفسِّرون : لما بُعِثَ النبيُّ ﷺ وأخبرَهم بتوحيدِ الله والبعثِ بعد الموت، وتلاَ عليهم القرآنَ، جعلوا يتساءَلون بينهم ويقولون : ما نرَى الذي جاءَ به مُحَمَّدٌ ﷺ، وما الذي أتَى به، فأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ.
ومعناها : عن أيِّ شيء يتحدَّثون فيما بينهم، وهذا لفظه لفظُُ اللاستفهامِ، والمعنى تفخيمُ القصة. وأصله عَنْ مَا فأُدغمت النون في الميمِ وحُذفت الألف ؛ لأن العربَ إذا وضَعت (عن ما) في موضعِ الاستفهام حذفت نونَها فرقاً بينهما وبين أنْ تكون اسماً مثلَ قولهِ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾[النازعات: ٤٣] و (عَلاَمَ تفعلُ)، بخلافِ قولِهم : سألتُ فلاناً عمَّا فعلَ، لا يجوزُ فيه حذفُ الألفِ ؛ لأن معناها الَّذي، وكذلك إذا كانت (مَا) للصلةِ كقوله تعالى :﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾[المؤمنون: ٤٠].
قولهُ تعالى :﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ أي الخبرِ الشَّريف، وهو القرآنُ، فإنه خبرٌ عظيم الشَّأنِ، لأنه يُنبئُ عن التوحيدِ وتصديق الرسول، والخبرُ عمَّا يجوز وما لا يجوزُ، وعن البعثِ والنشور. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ ؛ يعني أنَّهم اختلَفُوا في القرآنِ، فجعلَهُ بعضُهم سِحراً وبعضهم كهانةً وبعضهم شِعراً، وبعضهم أساطيرَ الأوَّلين.
ثم أوعدَ اللهُ مَن كذب بالقرآنِ فقال تعالى :﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي ليس الأمر على ما قالوا، سيعلمون عاقبة تكذيبهم حتى تنكشف الأمور، ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ على إثرِ وعيدٍ. وَقِيْلَ : معنى (كَلاَّ) ارتَدِعوا وانزَجِرُوا، فليس الأمرُ على ما تظنُّون، وسيعلَمُ الكفارُ عاقبةَ أمرِهم، ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ ؛ أمرَ القيامةِ وأهوالها، وما لَهم من أنواعِ العذاب في النار.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى