البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ولما ادعت اليهود أنها على ملة إبراهيم دون غيرها، رد الله عليهم بأن السبت ليس من ملته، فقال :
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿إِنما جُعِل السبتُ﴾، أي : فُرض تعظيمه وإفراده للعبادة، ﴿على الذين اختلفوا فيه﴾، على نبيهم، وهم : اليهود ؛ أمرهم موسى عليه السلام أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة، فأبوا وقالوا : نريد يوم السبت ؛ لأنه تعالى فرغ فيه من خلق السماوات والأرض، فألزمهم الله السبت، وشدَّد عليهم فيه. وقيل : لما أمرهم بيوم الجمعة، قَبِلَ بعضهم، وأبى أكثرهم، فاختلفوا فيه. وقيل : اختلافهم : هو أن منهم من حرَّم الصيد فيه، ومنهم من أحله، فعاقبهم الله بالمسخ. والتقدير على هذا : إنما جعل وبال السبت - وهو المسخ -، ﴿على الذين اختلفوا﴾ ؛ فأحلوا فيه الصيد تارة، وحرموه أخرى، أو أحله بعضهم، وحرمه بعضهم، وذكرهم هنا ؛ تهديدًا للمشركين، كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله، ﴿وإِن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ ؛ فيجازي كل فريق بما يستحقه، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي.
الإشارة : الاختلاف على الأكابر ؛ كالشيوخ والعلماء، والتقدم بين أيديهم بالرأي والكلام، من أقبح المساوئ، وسوء الأدب يوجب لصاحبه العطب ؛ كالقطع عن الله، والبعد من ساحة حضرته. قال بعضهم : إذا جالست الكبراء ؛ فدع ما تعلم لما لا تعلم ؛ لتفوز بالسر المكنون. والله تعالى أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى