اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
وقوله :﴿وَعَلامَاتٍ﴾ أي : وضع فيها علاماتٍ.
قوله :" وبِالنَّجْمِ " متعلق ب " يَهْتَدُون " والعامة على فتح النون، وسكون الجيم، بالتوحيد، فقيل : المراد به : كوكب بعينه وهو الجَدْي أو الثُّريَّا.
وقيل : بل هو اسم جنس، وقرأ(١) ابنُ وثَّاب : بضمهما، والحسن : بضمِّ النون فقط، وعكس بعضهم النقل عنهما.
فأمَّا قراءة الضمتين، ففيها تخريجان :
أظهرهما : أنه جمع صريح ؛ لأنَّ فعلاء يجمع على فعل ؛ نحو :" سَقْفٌ وسُقُف، وزَهْر وزُهُر ".
والثاني : أنَّ أصله النجوم، وفعل يجمع على فعول ؛ نحو : فَلْس وفُلُوس، ثم خفِّف بحذف الواو، كما قالوا : أسُد وأسُود وأسْد.
قال أبو البقاء ؛(٢) " وقالوا في " خِيَام : خُيُم " يعني أنَّه نظيرهُ من حيث حذفوا فيه حرف المدِّ.
وقال ابن عصفورٍ :" إنَّ قولهم :" النُّجُم " من ضرورات الشِّعر " وأنشد :[ الرجز ]
٣٣٠٦-إنَّ الذي قَضَى بِذَا قاضٍ حَكمْأن تَرِدَ الماءَ إذَا غَابَ النُّجُمْ(٣)
يريد النجوم. كقوله :[ الرجز ]
٣٣٠٧- حَتَّى إذَا بُلَّتْ حَلاقِيمُ الحُلُقْ(٤)يريد الحُلُوق.
وأمَّا قراءة الضمِّ، والسكون، ففيها وجهان :
أحدهما : أنها تخفيف من الضمِّ.
والثاني : أنها لغة مستقلة. وتقديم كلِّ من الجارِّ، والمبتدأ، يفيد الاختصاص، قال الزمخشريُّ - رحمه الله- :" فإن قلت : قوله تعالى :﴿وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ مخرج عن سنن الخطاب مقدم فيه " النجم " مقحم فيه " هُمْ " كأنه قيل : وبالنجم خصوصاً هؤلاء خصوصاً، فمن المراد بهم ؟.
قلت : كأنه أراد قريشاً كان لهم اهتداءٌ بالنجوم في مسائرهم، وكان لهم به علمٌ لم يكن لغيرهم ؛ فكان الشكر عليهم أوجب، ولهم ألزم ".
وقال بعض المفسرين : قوله تعالى :﴿وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ مختصٌّ بسفرِ البحر ؛ لأنه تعالى لما ذكر صفة البحر، ومنافعه، بيَّن أنَّ من يسير فيه يهتدون بالنجم.
وقال بعضهم : هو مطلقٌ في سفر البحر والبرِّ.

فصل في المراد بالعلامات


المراد بالعلاماتِ : معالمُ الطريق، وهي الأشياء التي يهتدى بها، وهذه العلامات هي الجبالُ والرياحُ.
قال ابنُ الخطيب(٥) :" ورأيتُ جماعة يشمُّون التراب ؛ فيعرفون الطرقان بشمِّه ".
قال الأخفش - رحمه الله- : تم الكلام عند قوله :" وعَلامَاتٍ " ثم ابتدأ :﴿وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
وقال محمد بن كعبٍ القرظيِّ، والكلبيُّ - رحمهما الله- : الجبالُ علاماتُ النَّهار، والنجوم علامات الليل(٦).
قال السديُّ : أراد بالنجم : الثُّريَّا، وبنات نعش، والفرقدين، والجدي، يهتدى بها إلى الطرق، والقبلة(٧).
قال القرطبيُّ : سأل ابنُ عباس رسول الله ﷺ وشرَّف وكرَّم - عن النَّجم ؛ فقال - صلوات الله وسلامه عليه- :
" هُوَ الجَديُ عليْهِ قِبْلتكُمْ وبِهِ تَهْتَدونَ في بَرِّكُمْ وبَحْرِكُمْ (٨) "، وذلك أنَّ آخر الجدي بناتُ نعشٍ الصغرى، والقطب الذي تستوي عليه القبلة بينهما.
١ ينظر: المحتسب ٨١٢، والإتحاف ٢/١٨٢، والبحر ٥/٤٦٦، والشواذ ٧٢، والدر المصون ٤/٣١٨..
٢ ينظر: الإملاء ٢/٧٩..
٣ البيت للاخطل. ينظر: ديوانه (٢٥١)، المنصف ١/٣٤٨، الخصائص ٣/١٣٤، المحتسب ١/١٩٩، ٢/٨، سر صناعة الإعراب ١٠/٣٤٨، اللسان (نجم)، البحر المحيط ٥/٤٦٧، الألوسي ١٤/١١٧ القرطبي ١٠/٦١، الدر المصون ٤/٣١٨..
٤ البيت لرؤبة. ينظر: الخصائص ١/٣٤٨، المنصف ١/٣٤٨، البحر ٥/٤٦٧، معاني القرآن ٣/٣٢، العمدة ٢/٢٧٤، الألوسي ١٤/١١٧، سر صناعة الإعراب ٢/٦٣٢، اللسان (حلق)، البحر ٤٦٧، المذكر والمؤنث للأنباري ٢٦٢، ضرائر الشعر ١٢٩، الدر المصون ٤/٣١٨..
٥ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/٩..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٧٢) عن الكلبي وذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٦٤) عن محمد بن كعب القرظي والسدي.
وذكره أيضا السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٢١٢) عن الكلبي وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن المنذر..

٧ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٦٤)..
٨ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/١٨٣) عن ابن عباس..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى