فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
شرع سبحانه في تحقيق كون الأصنام التي أشار إليها بقوله :﴿كَمَن لاَ يَخْلُقُ﴾ عاجزة على أن يصدر منها خلق شيء فلا تستحق عبادة فقال :﴿والذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي : الآلهة الذين يدعوهم الكفار من دون الله سبحانه صفتهم هذه الصفات المذكورة، وهي أنهم ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من المخلوقات أصلاً، لا كبيراً ولا صغيراً، ولا جليلاً ولا حقيراً. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي : وصفتهم أنهم يخلقون، فكيف يتمكن المخلوق من أن يخلق غيره ؟ ففي هذه الآية زيادة بيان، لأنه أثبت لهم صفة النقصان بعد أن سلب عنهم صفة الكمال، بخلاف قوله :﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ فإنه اقتصر على مجرد سلب صفة الكمال. وقراءة الجمهور «والذين تدعون » بالمثناة الفوقية على الخطاب مطابقة لما قبله. وروى أبو بكر عن عاصم، وروى هبيرة عن حفص ﴿يدعون﴾ بالتحية، وهي قراءة يعقوب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ثم بين سبحانه أن عذابهم غير مقصور على عذاب الدنيا. فقال :﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ﴾ بإدخالهم النار، ويفضحهم بذلك ويهينهم، وهو معطوف على مقدّر، أي هذا عذابهم في الدنيا، { ثم يوم القيامة يخزيهم { وَيَقُولُ } لهم مع ذلك توبيخاً وتقريعاً ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ كما تزعمون وتدّعون، قرأ ابن كثير من رواية البزي «شركاي» من دون همز، وقرأ الباقون بالهمز، ثم وصف هؤلاء الشركاء بقوله :﴿الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ﴾ قرأ نافع بكسر النون على الإضافة، وقرأ الباقون بفتحها، أي : تخاصمون الأنبياء والمؤمنين فيهم، وعلى قراءة نافع تخاصمونني فيهم وتعادونني، ادعوهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب النازل بكم.
وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله :﴿لاَ جَرَمَ﴾ يقول : بلى. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿لاَ جَرَمَ﴾ قال : يعني الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : لا كذب. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه وغيرهم عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان )، فقال رجل : يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، فقال :( إن الله جميل يحبّ الجمال، الكبر بطر الحق وغمص الناس ) وفي ذمّ الكبر، ومدح التواضع أحاديث كثيرة، وكذلك في إخراج محبة حسن الثوب وحسن النعل، ونحو ذلك من الكبر أحاديث كثيرة. والحاصل أن النبي ﷺ قد بيّن ماهية الكبر أنه بطر الحق وغمص الناس، فهذا هو الكبر المذموم. وقد ساق صاحب الدرّ المنثور عند تفسيره لهذه الآية : أعني قوله سبحانه :﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين﴾ أحاديث كثيرة ليس هذا مقام إيرادها، بل المقام مقام ذكر ما له علاقة بتفسير الكتاب العزيز. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿قَالُوا أساطير الأولين﴾ أن ناساً من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من أتى نبيّ الله ﷺ، فإذا مرّوا سألوهم فأخبروهم بما سمعوا من النبي ﷺ فقالوا : إنما هو أساطير الأوّلين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾ الآية يقول يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يضلونهم بغير علم. وذلك مثل قوله سبحانه :﴿وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه، وزاد : ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال : نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن زيد بن أسلم أنه النمروذ أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿فَأَتَى الله بنيانهم مّنَ القواعد﴾ قال : أتاها أمر الله من أصلها ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ﴾ والسقف : أعالي البيوت فائتكفت بهم بيوتهم، فأهلكم الله ودمرهم ﴿وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿تشاقون فِيهِمْ﴾ قال : تخالفوني.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى