الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مِن نُّطْفَةٍْْ﴾ متعلِّقٌ ب " خَلَق " و " مِنْ " لابتداءِ الغاية. والنُّطْفَةُ : القَطْرَةُ من الماء، نَطَفَ رأسُه ماءً، أي : قَطَر. وقيل : هي الماء الصافي ويُعَبَّرُ بها عن ماءِ الرجل، ويُكْنَى بها عن اللؤلؤة، ومنه صبيٌّ مُنَطَّف : إذا كان في أذنه لُؤْلؤة، ويقال : ليلة نَطُوف : إذا جاء فيها مطرٌ. والناطِف : ما سال من المائعاتِ، نَطَفَ يَنْطِفُ، أي : سال فهو ناطِفٌ. وفرنٌ يَنْطِفُ بسوءٍ.
قوله :﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ عَطَفَ هذه الجملةَ على ما قبلَها. فإن قيل : الفاءُ تدلُّ على التعقيب، ولا سيما وقد وُجِدَ معها " إذا " التي تقتضي المفاجَأةَ، وكونُه خصيماً مبيناً لم يَعْقُبْ خَلْقَه مِنْ نُطْفة، إنما توسَّطَتْ بينهما وسائطُ كثيرةٌ. فالجوابُ من وجهين، أحدُهما : أنه من باب التعبير عن حال الشيءِ بما يَؤُول إليه، كقولِه تعالى :﴿أَعْصِرُ خَمْراً﴾ [يوسف: ٣٦]. والثاني : أنه أشار بذلك إلى سُرْعَةِ نِسْيانهم مَبْدَأَ خَلْقِهم. وقيل : ثَمَّ وسائِطُ محذوفةٌ. والذي يظهر أنَّ قولَه " خَلَقَ " عبارةٌ عن إيجاده وتربيتِه إلى أن يبلغَ حدَّ هاتين الصفتين.
و " خصيم " فَعِيْل، مثالُ مبالغةٍ مِنْ خَصَم بمعنى اختصم، ويجوز أن يكونَ مُخاصِم كالخَلِيط والجَلِيس.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى