إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
وبعد ما بُيّن أن جميعَ الموجودات يُخَصّون بالخضوع والانقياد أصلاً لله عز وجل أُردف ذلك بحكاية نهْيِه سبحانه وتعالى للمكلفين عن الإشراك فقيل :﴿وَقَالَ الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون﴾. ﴿وَقَالَ الله﴾ عطف على قوله : ولله يسجد، وإظهارُ الفاعل وتخصيصُ لفظة الجلالة بالذكر للإيذان بأنه متعيِّنُ الألوهية، وإنما المنهيُّ عنه هو الإشراكُ به لا أن المنهيَّ عنه مطلقُ اتخاذِ إلهين بحيث يتحقق الانتهاءُ عنه برفض أيِّهما كان، أي قال تعالى لجميع المكلفين :﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ وإنما ذُكر العددُ مع أن صيغة التثنيةِ مغنيةٌ عن ذلك دلالةً على أن مساقَ النهي هو الاثنَيْنيّة وأنها منافيةٌ للألوهية كما أن وصفَ الإله بالوَحدة في قوله تعالى :﴿إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ للدلالة على أن المقصودَ إثباتُ الوحدانية وأنها من لوازم الإلهية، وأما الإلهية فأمرٌ مسلَّمُ الثبوت له سبحانه وإليه أشير حيث أُسند إليه القول، وفيه التفاتٌ من التكلم إلى الغَيبة على رأي من اكتفى في تحقق الالتفاتِ بكون الأسلوب الملتفَتِ عنه حقَّ الكلام، ولم يشترِط سبقَ الذكرِ على ذلك الوجه ﴿فإياي فارهبون﴾ التفاتٌ من الغيبة إلى التكلم لتربية المهابةِ وإلقاءِ الرهبة في القلوب، ولذلك قدّم المفعولَ وكرر الفعلَ، أي إن كنتم راهبين شيئاً فإيايَ فارهبون لا غيرُ، فإني ذلك الواحدُ الذي يسجُد له ما في السماوات والأرض.