زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾، قد فسرنا :" البكم "، في البقرة :[ ١٨ ]. ومعنى :﴿لا يقدر على شيء﴾، أي : من الكلام ؛ لأنه لا يفهم ولا يفهم عنه. ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ﴾، قال ابن قتيبة : أي ثقل على وليه وقرابته. وفيمن أريد بهذا المثل أربعة أقوال :
أحدها : أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فالكافر، هو : الأبكم، والذي يأمر بالعدل : المؤمن، رواه العوفي عن ابن عباس.
والثاني : أنها نزلت في عثمان بن عفان، هو الذي يأمر بالعدل، وفي مولى له كان يكره الإسلام، وينهى عثمان عن النفقة في سبيل الله، وهو : الأبكم، رواه إبراهيم ابن يعلى ابن منية عن ابن عباس.
والثالث : أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه، وللوثن. فالوثن : هو : الأبكم، والله تعالى : هو : الآمر بالعدل، وهذا قول مجاهد، وقتادة، وابن السائب، ومقاتل.
والرابع : أن المراد بالأبكم : أبي بن خلف، وبالذي يأمر بالعدل : حمزة، وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون، قاله عطاء. فيخرج على هذه الأقوال في معنى : ﴿مولاه﴾ قولان :
أحدهما : أنه مولى حقيقة، إذا قلنا : إنه رجل من الناس.
والثاني : أنه بمعنى الولي، إذا قلنا : إنه الصنم، فالمعنى : وهو ثقل على وليه الذي يخدمه ويزينه. ويخرج في معنى :" أينما توجه "، قولان إن قلنا : إنه رجل، فالمعنى : أينما يرسله. والتوجيه : الإرسال في وجه من الطريق. وإن قلنا : إنه الصنم، ففي معنى الكلام قولان : أحدهما : أينما يدعوه، لا يجيبه، قاله مقاتل.
والثاني : أينما توجه تأميله إياه ورجاه له، لا يأته ذلك بخير، فحذف التأميل، وخلفه الصنم، كقوله :﴿مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، أي : على ألسنة رسلك. وقرأ البزي، عن ابن محيصن :" أينما توجهه "، بالتاء على الخطاب. فأما قوله :﴿لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ فإن قلنا : هو رجل، فإنما كان كذلك ؛ لأنه لا يفهم ما يقال له، ولا يفهم عنه، إما لكفره وجحوده، أو لبكم به. وإن قلنا : إنه الصنم، فلكونه جمادا. ﴿هَلْ يستوي هُوَ﴾، أي : هذا الأبكم، ﴿وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، أي : ومن هو قادر على التكلم، ناطق بالحق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى