مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم إنه تعالى ذمهم بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، وذلك نهاية في كفران النعمة.
فإن قيل : ما معنى ثم ؟
قلنا : الدلالة على أن إنكارهم أمر يستبعد بعد حصول المعرفة، لأن حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر. وفي المراد بهذه النعمة وجوه : الأول : قال القاضي : المراد بها جميع ما ذكره الله تعالى في الآيات المتقدمة من جميع أنواع النعم ؛ ومعنى أنهم أنكروه هو أنهم ما أفردوه تعالى بالشكر والعبادة، بل شكروا على تلك النعم غير الله تعالى. ولأنهم قالوا : إنما حصلت هذه النعم بشفاعة هذه الأصنام. والثاني : أن المراد أنهم عرفوا أن نبوة محمد ﷺ حق ثم ينكرونها، ونبوته نعمة عظيمة كما قال تعالى :﴿وما أرسلناك إلا رحمة العالمين﴾. الثالث : يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، أي لا يستعملونها في طلب رضوان الله تعالى.
ثم قال تعالى :﴿وأكثرهم الكافرون﴾.
فإن قيل : ما معنى قوله ﴿وأكثرهم الكافرون﴾ مع أنه كان كلهم كافرين ؟
قلنا : الجواب من وجوه : الأول : إنما قال :﴿وأكثرهم﴾ لأنه كان فيهم من لم تقم عليه الحجة ممن لم يبلغ حد التكليف أو كان ناقص العقل معتوها، فأراد بالأكثر البالغين والأصحاء. الثاني : أن يكون المراد بالكافر الجاحد المعاند، وحينئذ نقول إنما قال :﴿وأكثرهم﴾ لأنه كان فهيم من لم يكن معاندا بل كان جاهلا بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام وما ظهر له كونه نبيا من عند الله. الثالث : أنه ذكر الأكثر والمراد الجميع، لأن أكثر الشيء يقوم مقام الكل، فذكر الأكثر كذكر الجميع، وهذا كقوله :﴿الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى