اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله - تعالى - :﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ الآية، لما جمع المأمورات والمنهيَّات في الآية الأولى على سبيل الإجمال، ذكر في هذه الآية بعض تلك الأقسام، فبدأ بذكر الوفاء بالعهد.
قال الزمخشري : عهد الله : هي البيعة لرسول الله ﷺ على الإسلام ؛ لقوله - تعالى - :﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، وقيل : كل عهدٍ يلتزمه الإنسان باختياره. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه - : والوَعْدُ من العهد(١).
وقال ميمون بن مهران : من عاهدته، أوْفِ بعهده مسلماً كان أو كافراً، فإنَّما وفاء العهد لله - تعالى-(٢).
وقال الأصم : المراد منه الجهاد، وما فرض الله في الأموال من حق، وقيل : عهد الله، هو اليمين بالله.
قال الشعبي : العهد يمين الله، وكفَّارته كفارة يمين، وإنما يجب الوفاء باليمين إذا لم يكن الصلاح في خلافه(٣) ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - :" مَنْ حَلفَ علَى يَمِينٍ، فَرَأى غَيْرهَا خَيْراً مِنْها، فلْيَأتِ الَّذي هُوَ خَيْرٌ، وليكفرْ عن يَمينهِ " (٤).
واعلم أن قوله - تعالى - :﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾، يجب أن يكون مختصًّا بالعهود التي يلتزمها الإنسان باختيار نفسه، ويؤيِّده قوله - عز وجل - بعد ذلك :﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾، وأيضاً : يجب ألا يحمل العهد على اليمين ؛ لأنَّا لو حملناه على اليمين، لكان قوله بعد ذلك :﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ تكرار ؛ لأنَّ الوفاء بالعهد والمنع من النقض متقاربان ؛ لأن الأمر بالفعل يستلزم النَّهي عن التَّرك ؛ إلاَّ إذا قلنا : إن الوفاء بالعهد عامٌّ يدخل تحته اليمين، ثم إنَّه تعالى - خصَّ اليمين بالذِّكر ؛ تنبيهاً على أنَّه أولى أنواع العهد على ما اتقدَّم، يلتزمه الإنسان باختياره، ويدخل فيه عهد الجهاد، وعهد الوفاءِ بالملتزمات من المنذورات، والمؤكدات بالحلف.
قوله :" بَعْدَ تَوكِيدهَا "، متعلق بفعل النَّهي، والتَّوكيد مصدر وكَّد يُوكِّدُ بالواو، وفيه لغة أخرى : أكَّد يُؤكِّدُ بالهمز، ومعناه : التقوية ؛ وهذا كقولهم : أرَّخْتُ الكتابَ ووَرَّخْتهُ، وليست الهمزة بدلاً من واو، كما زعم أبو إسحاق ؛ لأن الاستعمالين في المادَّتين متساويان، فليس ادِّعاء كون أحدهما أصلاً أولى من الآخر، وتبع مكي الزجاج - رحمهما الله تعالى - في ذلك، ثم قال :" ولا يحسن أن يقال : الواو بدل من الهمزة، كما لا يحسن أن يقال ذلك في :" أحد "، إذ أصله :" وحَد "، فالهمزة بدلٌ من الواو "، يعني : أنه لا قائل [ بالعكس ](٥).
وكذلك تبعه في ذلك الزمخشري أيضاً، و " تَوْكيدِهَا " مصدر مضافٌ لمفعوله، وأدغم أبو عمرو الدَّال في التَّاء، ولا ثاني له في القرآن، أعني : أنه لم يدغم دال مفتوحة بعد ساكنٍ إلاَّ في هذا الحرف.
قوله تعالى :﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله﴾، الجملة حال : إمَّا من فاعل " تَنْقضُوا "، وإمَّا من فاعل المصدر، وإن كان محذوفاً.
المعنى : ولا تنقضوا الأيمان بعد تشديدها فتحنثوا فيها، و ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ : شهيداً عليكم بالوفاء.
﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾، قالت الحنفيَّة : يمين اللَّغو هي يمين الغموس ؛ لقوله - تعالى - :﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، فنهى عن نقض الأيمان، فوجب أن يكون كل يمين قابلاً للبر والحنث، ويمين الغموس غير قابلة للبر والحنث، فوجب ألا يكون من الأيمان.
وقال غيرهم : هي قول الإنسان في معرض حديثه : لا والله، وبلى والله ؛ لأن قوله - تعالى - :﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، إنما تقال للفرق بين الأيمان المؤكَّدة بالعزم وبالعقد، وبين غيرها.
واعلم أن قوله - تعالى - :﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، عامٌّ دخله التخصيص ؛ لما تقدَّم من قوله - عليه الصلاة والسلام - :" مَنْ حَلفَ على يمينٍ فَرأى غَيْرهَا خيْراً منهَا، فليَأتِ الَّذِي هو خَيْرٌ، وليُكفر عن يَمينهِ ".
قال الزمخشري : عهد الله : هي البيعة لرسول الله ﷺ على الإسلام ؛ لقوله - تعالى - :﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، وقيل : كل عهدٍ يلتزمه الإنسان باختياره. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه - : والوَعْدُ من العهد(١).
وقال ميمون بن مهران : من عاهدته، أوْفِ بعهده مسلماً كان أو كافراً، فإنَّما وفاء العهد لله - تعالى-(٢).
وقال الأصم : المراد منه الجهاد، وما فرض الله في الأموال من حق، وقيل : عهد الله، هو اليمين بالله.
قال الشعبي : العهد يمين الله، وكفَّارته كفارة يمين، وإنما يجب الوفاء باليمين إذا لم يكن الصلاح في خلافه(٣) ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - :" مَنْ حَلفَ علَى يَمِينٍ، فَرَأى غَيْرهَا خَيْراً مِنْها، فلْيَأتِ الَّذي هُوَ خَيْرٌ، وليكفرْ عن يَمينهِ " (٤).
واعلم أن قوله - تعالى - :﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾، يجب أن يكون مختصًّا بالعهود التي يلتزمها الإنسان باختيار نفسه، ويؤيِّده قوله - عز وجل - بعد ذلك :﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾، وأيضاً : يجب ألا يحمل العهد على اليمين ؛ لأنَّا لو حملناه على اليمين، لكان قوله بعد ذلك :﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ تكرار ؛ لأنَّ الوفاء بالعهد والمنع من النقض متقاربان ؛ لأن الأمر بالفعل يستلزم النَّهي عن التَّرك ؛ إلاَّ إذا قلنا : إن الوفاء بالعهد عامٌّ يدخل تحته اليمين، ثم إنَّه تعالى - خصَّ اليمين بالذِّكر ؛ تنبيهاً على أنَّه أولى أنواع العهد على ما اتقدَّم، يلتزمه الإنسان باختياره، ويدخل فيه عهد الجهاد، وعهد الوفاءِ بالملتزمات من المنذورات، والمؤكدات بالحلف.
قوله :" بَعْدَ تَوكِيدهَا "، متعلق بفعل النَّهي، والتَّوكيد مصدر وكَّد يُوكِّدُ بالواو، وفيه لغة أخرى : أكَّد يُؤكِّدُ بالهمز، ومعناه : التقوية ؛ وهذا كقولهم : أرَّخْتُ الكتابَ ووَرَّخْتهُ، وليست الهمزة بدلاً من واو، كما زعم أبو إسحاق ؛ لأن الاستعمالين في المادَّتين متساويان، فليس ادِّعاء كون أحدهما أصلاً أولى من الآخر، وتبع مكي الزجاج - رحمهما الله تعالى - في ذلك، ثم قال :" ولا يحسن أن يقال : الواو بدل من الهمزة، كما لا يحسن أن يقال ذلك في :" أحد "، إذ أصله :" وحَد "، فالهمزة بدلٌ من الواو "، يعني : أنه لا قائل [ بالعكس ](٥).
وكذلك تبعه في ذلك الزمخشري أيضاً، و " تَوْكيدِهَا " مصدر مضافٌ لمفعوله، وأدغم أبو عمرو الدَّال في التَّاء، ولا ثاني له في القرآن، أعني : أنه لم يدغم دال مفتوحة بعد ساكنٍ إلاَّ في هذا الحرف.
قوله تعالى :﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله﴾، الجملة حال : إمَّا من فاعل " تَنْقضُوا "، وإمَّا من فاعل المصدر، وإن كان محذوفاً.
فصل
المعنى : ولا تنقضوا الأيمان بعد تشديدها فتحنثوا فيها، و ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ : شهيداً عليكم بالوفاء.
﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾، قالت الحنفيَّة : يمين اللَّغو هي يمين الغموس ؛ لقوله - تعالى - :﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، فنهى عن نقض الأيمان، فوجب أن يكون كل يمين قابلاً للبر والحنث، ويمين الغموس غير قابلة للبر والحنث، فوجب ألا يكون من الأيمان.
وقال غيرهم : هي قول الإنسان في معرض حديثه : لا والله، وبلى والله ؛ لأن قوله - تعالى - :﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، إنما تقال للفرق بين الأيمان المؤكَّدة بالعزم وبالعقد، وبين غيرها.
واعلم أن قوله - تعالى - :﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، عامٌّ دخله التخصيص ؛ لما تقدَّم من قوله - عليه الصلاة والسلام - :" مَنْ حَلفَ على يمينٍ فَرأى غَيْرهَا خيْراً منهَا، فليَأتِ الَّذِي هو خَيْرٌ، وليُكفر عن يَمينهِ ".
١ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٠/٨٦)..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٨٦)..
٤ تقدم..
٥ في ب: بذلك..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٨٦)..
٤ تقدم..
٥ في ب: بذلك..