فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
خصّ سبحانه من جملة المأمورات التي تضمنها قوله :﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل﴾ الوفاء بالعهد، فقال :﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ الله إِذَا عاهدتم﴾ وظاهره العموم في كل عهد يقع من الإنسان من غير فرق بين عهد البيعة وغيره، وخصّ هذا العهد المذكور في هذه الآية بعض المفسرين بالعهد الكائن في بيعة النبيّ ﷺ على الإسلام، وهو خلاف ما يفيده العهد المضاف إلى اسم الله سبحانه من العموم الشامل لجميع عهود الله. ولو فرض أن السبب خاص بعهد من العهود، لم يكن ذلك موجباً لقصره على السبب، فالاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وفسره بعضهم باليمين، وهو مدفوع بذكر الوفاء بالأَيمان بعده حيث قال سبحانه :﴿وَلاَ تَنقُضُوا الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ أي : بعد تشديدها وتغليظها وتوثيقها، وليس المراد اختصاص النهي عن النقض بالأَيمان المؤكدة، لا بغيرها مما لا تأكيد فيه. فإن تحريم النقض يتناول الجميع، ولكن في نقض اليمين المؤكدة من الإثم فوق الإثم الذي في نقض ما لم يوكد منها، يقال : وكد وأكد توكيداً وتأكيداً، وهما لغتان. وقال الزجاج : الأصل الواو، والهمزة بدل منها، وهذا العموم مخصوص بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من قوله ﷺ فقال :( من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه )، حتى بالغ في ذلك ﷺ فقال :( والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني ) وهذه الألفاظ ثابتة في الصحيحين وغيرهما، ويخصّ أيضاً من هذا العموم يمين اللغو، لقوله سبحانه :﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِي أيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] ويمكن أن يكون التقييد بالتوكيد هنا لإخراج أيمان اللغو. وقد تقدّم بسط الكلام على الأَيمان في البقرة. ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ أي : شهيداً، وقيل : حافظاً، وقيل : ضامناً. وقيل : رقيباً لأن الكفيل يراعي حال المكفول به، وقيل : إن توكيد اليمين هو حلف الإنسان على الشيء الواحد مراراً. وحكى القرطبي عن ابن عمر : أن التوكيد هو أن يحلف مرتين، فإن حلف واحدة فلا كفارة عليه ﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ فيجازيكم بحسب ذلك، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ، وفيه ترغيب وترهيب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قيل : وإنما خصّ أحسن أعمالهم ؛ لأن ما عداه وهو الحسن مباح، والجزاء إنما يكون على الطاعة ؛ وقيل : المعنى : ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم، كقوله :﴿مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم على معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأعلى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة الفرد الأعلى منها من الجزاء الجزيل، لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن، والأحسن بالأحسن، كذا قيل. قرأ عاصم وابن كثير ﴿لنجزين﴾ بالنون. وقرأ الباقون بالياء التحتية.
وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مزيدة بن جابر في قوله :﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ الله إِذَا عاهدتم﴾ قال : أنزلت هذه الآية في بيعة رسول الله ﷺ، كأنّ من أسلم بايع على الإسلام، فقال :﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ الله﴾ الآية، فلا يحملنكم قلة محمد وأصحابه، وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿وَلاَ تَنقُضُوا الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يقول : بعد تغليظها. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، أن سعيدة الأسدية كانت تجمع الشعر والليف، فنزلت فيها هذه الآية ﴿وَلاَ تَكُونُوا كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص مثله. وفي الروايتين جميعاً أنها كانت مجنونة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدّي في سبب نزول الآية، قال : كانت امرأة بمكة تسمى خرقاء مكة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها نقضته. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير معناه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِي أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ قال : ناس أكثر من ناس. وأخرجوا عن مجاهد في الآية قال : كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعزّ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزّ، فنهوا عن ذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى