روح البيان — إسماعيل حقي
عن الكتاب
الاحدى الى المشهد الواحدي المسمى سدرة المنتهى التي هى شجرة الكثرة لابتداء الكثرة منها وانتهاء مظاهرها إليها بحسب الأعمال والأقوال والافعال والأحوال شبهت السدرة بشجرة الكثرة لكثرة اظلالها وأغصانها كما في شجرة الكثرة التي هى الواحدية لظهور التعينات والتكثرات منها واستظلال المتعينات بها بالوجود العيني الخارجي انتهى وقال البقلى ما الرؤية الثانية بأقل كشفا من الرؤية الاولى ولا الاولى با كشف من الرؤية الثانية اين أنت لو كنت أهلا لقلت لك انه عليه السلام رأى ربه في لحافه بعد أن رجع من الحضرة ايضا في تلك الساعة وما غاب قلبه من تلك الرؤية لمحة وما ذكر سبحانه بيان ان ما رأى في الاولى في الإمكان وما رأى عند سدرة المنتهى كان واحدا لان ظهوره هناك ظهور القدم والجلال وليس ظهوره يتعلق بالمكان ولا بالزمان إذ القدم منزه عن المكان والجهات وكان العبد في المكان والرب في المكان وهذا غاية في كمال تنزيهه وعظيم لطفه إذ تتجلى نفسه لقلب عبده وهو في الإمكان والعبد في مكان والعقل هاهنا مضمحل والعلم متلاش لان العقول عاجزة والأوهام متحيرة والقلوب والهة والأرواح حائرة والاسرار فانية وفي هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه إذ رآه نزلة اخرى عند سدرة المنتهى ظن عليه السلام ان ما رأه في الاولى لا يكون في الكون لكمال علمه بتنزيه الحق فلما رأه ثانية علم انه لا يحجبه شيء من الحدثان وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه الى باب الدار إذا كان كريما فهذا من الله اظهار كمال حب لحبيبه وحقيقة الاشارة انه سبحانه أراد ان يعرف حبيبه مقام التباس فلبس الأمر واظهر المكر بأن بان الحق من شجرة سدرة المنتهى كما بان من شجرة العناب لموسى ليعرف حبيبه بكمال المعرفة إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في البسة مختلفة انتهى ولما أراد سبحانه ان يعظم السدرة ويبين شرفها قال عِنْدَها اى عند السدرة جَنَّةُ الْمَأْوى والجملة حالية قيل الأحسن ان يكون الحال هو الظرف وجنة المأوى مرتفع به بالفاعلية واضافة الجنة الى المأوى مثل اضافة مسجد الجامع اى الجنة التي يأوى إليها المتقون اى تنزل فيها وتصير وتعود إليها أرواح الشهداء وبالفارسية بهشتى كه آرامگاه متقيان يا مأوى ومكان أرواح شهداست أو آوى إليها آدم وحواء عليهما السلام يقال أويت منزلى واليه اويا واويا عدت واويته نزلته بنفسي والمأوى المكان قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر آدم عليه السلام انزل من جنة المأوى التي هى اليوم مقام الروح الامين جبريل عليه السلام وهى اليوم برزخ لذرية آدم ونزل إليها جبرائيل من السدرة بنزول آدم وهذه الجنة لا تقتضى الخلود لذاتها فلذلك أمكن خروج آدم منها ولذلك تأثر بالاشتياق الى ان يكون ملكا بعد سجود الملائكة له بغرور إبليس إياه ووعده في الخلود رغبة في الخلود والبقاء مع جبرائيل والجنة التي عرضها السموات والأرض تقتضى الخلود لذاتها يعلم من دخلها انه لا يمكن الخروج منها إذ لا سبيل للكون والفساد إليها قال تعالى في وصف عطائها انه غير مجذوذ اى غير منقطع انتهى فالجنة التي عرضها السموات والأرض ارضها الكرسي الذي وسع السموات والأرض وسقفها العرش المحيط فهى محيطة بالجنان الثمان وليست هى الجنة التي انزل منها
بحيث صارت حياته مادة حياة العالم كله علويه وسفليه روحانية وجسمانية معدنيه ونباتيه وحيوانيه وانسانيه كما قال وما أرسلناك الا رحمة للعالمين وقال لو لاك لما خلقت الافلاك وقال عليه السلام أنا من الله والمؤمنون منى وكذا صار علمه محيطا بجميع المعلومات الغيبية الملكوتية كما جاء في حديث اختصام الملائكة انه قال فوضع كفه على كتفى فوجدت بردها بين ثديى فعلمت علم الأولين والآخرين وفي رواية علم ما كان وما سيكون وكذا قدرته كسر بها أعناق الجبابرة وضرب بالسيف رقاب الا كاسرة وخرب حيطانهم وحصونهم فما بقين ولا بقوا وببركة هذا التجلي الجمعى الكلى الاحاطى صار آدم بتبعيته وخلافته خليفة العالم كما اخبر في كتابه العزيز انى جاعل في الأرض خليفة واسجد الله الملائكة لتلألؤ نوره الوحدانى في وجه آدم هذا تحقيق قوله لقد رأى من آيات ربه الكبرى اللام جواب القسم ومن مزيدة انتهى وقال البقلى رحمه الله أراه سبحانه من آياته العظام مالا يقوم برؤيتها أحد سواه اى المصطفى عليه السلام وذلك بأن البسه قوة الجبارية الملكوتية كما قال لقد رأى من آيات ربه الكبرى وذلك ببروز أنوار الصفات في الآيات وتلك الآيات لو رأها أحد لاستغرق في رؤيتها فكان من كمال استغراقه في بحر الذات والصفات لم يكبر عليه رؤية الآيات قال ابن عطاء رأى الآيات فلم تكبر في عينه لكبر همته وعلو محله ولاتصاله بالكبير المتعال قال جعفر شاهد من علامات المحبة ما كبر عن الاخبار عنها أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى هى أصنام كانت لهم فاللات كانت لثقيف بالطائف أصله لوية فاسكنت الياء وحذفت لالتقاء الساكنين فبقيت لوة فقلبت الواو الفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت لاة فهى فعلة من لوى لانهم كانوا يلوون عليها ويطوفون بها وكانت على صورة آدمي قال سعدى المفتى فان قلت هذا يختص بقراءة الكسائي فانه يقف على اللاة بالهاء واما الباقون فيقفون عليها بالتاء فلا يجوز ان تكون من تلك المادة قلت لا نسلم ذلك فانهم انما يقفون بهاء مراعاة لصورة الكتابة لا غير انتهى والعزى تأنيث الأعز كانت لغطفان وهى سمرة كانوا يعبدونها فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد فقطعها وهو يقول يا عزى كفرانك لا سبحانك انى رأيت الله قد أهانك فخرجت من أصلها شيطانة ناشرة شعرها واضعة يدها على رأسها وهى تولول فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها فاخبر رسول الله عليه السلام فقال تلك لن تعبد ابدا وفي القاموس العزى صنم او سمرة عبدتها غطفان أول من اتخذها ظالم بن اسعد فوق ذات عرق الى البستان بتسعة أميال بنى عليها بيتا وسماه بسا وكانوا يسمعون فيها الصوت فبعث إليها رسول الله خالد بن الوليد فهدم البيت واحرق السمرة انتهى ومناة صخرة لهذيل وخزاعة سميت مناة لان دماء المناسك تمنى عندها اى تراق ومنه منى وفي انسان العيون مناة صنم كان للاوس والخزرج أرسل رسول الله عليه السلام سعد بن زيد الأشهلي رضى الله عنه في عشرين فارسا الى مناة ليهدم محلها فلما وصلوا الى ذلك الصنم قال السادن لسعد ما تريد قال هدم مناة قال أنت وذاك فأقبل سعد الى ذلك الصنم فخرجت اليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل
تضرب صدرها فقال لها السادن مناة دونك بعض عصاتك فضربها سعد فقتلها وهدم محلها انتهى ووصف مناة بالثالثة تأكيدا لانها لما عطفت عليهما علم انها ثالثتهما والاخرى صفة ذم لها وهى المتأخرة الوضيعة المقدار اى مناة الحقيرة الذليلة لان الاخرى تستعمل في الضعفاء كقوله تعالى قالت أخراهم لاولاهم اى ضعفاؤهم لرؤسائهم قال ابن الشيخ الاخرى تأنيث الآخر بفتح الخاء وهو في الأصل من التأخر في الوجود نقل في الاستعمال الى المغايرة مع الاشتراك مع موصوفه فيما اثبت له ولا يصح حمل الاخرى في الآية على هذا المعنى العرفي إذ لا مشاركة لمناة في كونها مناة ثالثة حتى توصف بالأخرى احترازا عنها فلذلك حمل على المعنى المذكور انتهى وقد جوز ان تكون الاولية والتقدم عندهم للات والعزى فتكون مناة من التأخر الرتبى يعنى ان العزى شجرة وهى لكونها من اقسام النبات اشرف من مناة التي هى صخرة وجماد فهى متأخرة عنها رتبة ويقال ان المشركين أرادوا أن يجعلوا لآلهتهم من الأسماء الحسنى فأرادوا أن يسمعوا
واحدا منها الله فجرى على ألسنتهم اللات وأرادوا أن يسموا واحدا منها العزيز فجرى على ألسنتهم العزى وأرادوا أن يسموا واحدا منها المنان فجرى على ألسنتهم المناة وقال الراغب اصل اللات اللاه فحذفوا منه الهاء وادخلوا التاء فيه فانثوه تنبيها على قصوره عن الله وجعلوه مختصا بما يتقرب به الى الله في زعمهم وقال السهيلي اصل هذا الاسم اى اللات لرجل كان يلت السويق للحجاج بسمن وإقط إذا قدموا وكانت العرب تعظم ذلك الرجل باطعامه في كل موسم فلما مات اتخذ مقعده الذي كان يلت فيه السويق منسكا ثم سنح الأمر بهم الا أن عبدوا تلك الصخرة التي كان يقعد عليها ومثلوها صنما وسموها اللات اعنى ملت السويق ذكر ذلك كثير ممن الف في الاخبار والتفسير انتهى وهذا على قراءة من يشدد اللات اى التاء منه وقد قرأ به اى بالتشديد ابن عباس وعكرمة وجماعة كما في القاموس ثم انهم كانوا مع ما ذكر من عبادتهم لها يقولون ان الملائكة وتلك الأصنام بنات الله فقيل لهم توبيخا وتبكيتا أفرأيتم والهمزة للانكار والفاء لتوجيهه الى ترتيب الرؤية على ما ذكر من شؤون الله المنافية لها غاية المنافاة وهى قلببة ومفعولها الثاني محذوف لدلالة الحال عليه فالمعنى أعقيب ما سمعتم من آثار كمال عظمة الله في ملكه وملكوته وجلاله وجبروته واحكام قدرته ونفاذ امره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما رأيتم هذه الأصنام مع غاية حقارتها بنات له تعالى قال بعضهم كانوا يقولون ان الملائكة بنات الله وهذه الأصنام استوطنها جنيات هن بناته تعالى او هذه الأصنام هياكل الملائكة التي هن بناته تعالى وفي التأويلات النجمية يخاطب عبدة الأصنام صنم لات النفس وصنم عزى الهوى ومناة الدنيا الدنية الخسيسة الحقيرة الواقعة في أدنى المراتب لخسة وضعها ودناءة قدرها ويستفهم منهم انكار الهم وردا عليهم أخبروني عن حال آلهتكم التي اتخذتموها معبودات وتمكنتم على عبوديتها هل وجدتم فيها صفة من صفات الالهية من الإيجاد والاعدام والنفع والضر وأمثالها لا والله بل اتخذتموها آلهة لغاية ظلو ميتكم على أنفسكم ونهاية جهوليتكم بالإله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن
واحدا منها الله فجرى على ألسنتهم اللات وأرادوا أن يسموا واحدا منها العزيز فجرى على ألسنتهم العزى وأرادوا أن يسموا واحدا منها المنان فجرى على ألسنتهم المناة وقال الراغب اصل اللات اللاه فحذفوا منه الهاء وادخلوا التاء فيه فانثوه تنبيها على قصوره عن الله وجعلوه مختصا بما يتقرب به الى الله في زعمهم وقال السهيلي اصل هذا الاسم اى اللات لرجل كان يلت السويق للحجاج بسمن وإقط إذا قدموا وكانت العرب تعظم ذلك الرجل باطعامه في كل موسم فلما مات اتخذ مقعده الذي كان يلت فيه السويق منسكا ثم سنح الأمر بهم الا أن عبدوا تلك الصخرة التي كان يقعد عليها ومثلوها صنما وسموها اللات اعنى ملت السويق ذكر ذلك كثير ممن الف في الاخبار والتفسير انتهى وهذا على قراءة من يشدد اللات اى التاء منه وقد قرأ به اى بالتشديد ابن عباس وعكرمة وجماعة كما في القاموس ثم انهم كانوا مع ما ذكر من عبادتهم لها يقولون ان الملائكة وتلك الأصنام بنات الله فقيل لهم توبيخا وتبكيتا أفرأيتم والهمزة للانكار والفاء لتوجيهه الى ترتيب الرؤية على ما ذكر من شؤون الله المنافية لها غاية المنافاة وهى قلببة ومفعولها الثاني محذوف لدلالة الحال عليه فالمعنى أعقيب ما سمعتم من آثار كمال عظمة الله في ملكه وملكوته وجلاله وجبروته واحكام قدرته ونفاذ امره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما رأيتم هذه الأصنام مع غاية حقارتها بنات له تعالى قال بعضهم كانوا يقولون ان الملائكة بنات الله وهذه الأصنام استوطنها جنيات هن بناته تعالى او هذه الأصنام هياكل الملائكة التي هن بناته تعالى وفي التأويلات النجمية يخاطب عبدة الأصنام صنم لات النفس وصنم عزى الهوى ومناة الدنيا الدنية الخسيسة الحقيرة الواقعة في أدنى المراتب لخسة وضعها ودناءة قدرها ويستفهم منهم انكار الهم وردا عليهم أخبروني عن حال آلهتكم التي اتخذتموها معبودات وتمكنتم على عبوديتها هل وجدتم فيها صفة من صفات الالهية من الإيجاد والاعدام والنفع والضر وأمثالها لا والله بل اتخذتموها آلهة لغاية ظلو ميتكم على أنفسكم ونهاية جهوليتكم بالإله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن