جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : ألَكُمُ الذّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى يقول : أتزعمون أن لكم الذكر الذي ترضونه، ولله الأنثى التي لا ترضونها لأنفسكم تِلكَ إذا قِسْمَةٌ ضِيزَى يقول جلّ ثناؤه : قسمتكم هذه قسمة جائرة غير مستوية، ناقصة غير تامة، لأنكم جعلتم لربكم من الولد ما تكرهون لأنفسكم، وآثرتم أنفسكم بما ترضونه، والعرب تقول : ضِزته حقه بكسر الضاد، وضُزته بضمها فأنا أضيزه وأضوزه، وذلك إذا نقصته حقه ومنعته وحُدثت عن معمر بن المثنى قال : أنشدني الأخفش :
فإنْ تَنْأَ عَنّا نَنْتَقِصْكَ وَإنْ تَغِبْفَسَهْمُكَ مضيوز وأنْفُكَ رَاغِمُ
ومن العرب من يقول : ضَيْزى بفتح الضاد وترك الهمز فيها ومنهم من يقول : ضأزى بالفتح والهمز، وضُؤزى بالضم والهمز، ولم يقرأ أحد بشيء من هذه اللغات. وأما الضّيزى بالكسر فإنها فُعلى بضم الفاء، وإنما كُسرت الضاد منها كما كسرت من قولهم : قوم بيض وعِين، وهي «فُعْل » لأن واحدها : بيضاء وعيناء ليؤلفوا بين الجمع والاثنين والواحد، وكذلك كرهوا ضمّ الضاد من ضِيزَى، فتقول : ضُوزَى، مخافةِ أن تصير بالواو وهي من الياء. وقال الفرّاء : إنما قضيت على أوّلها بالضمّ، لأن النعوت للمؤنث تأتي إما بفتح، وإما بضمّ فالمفتوح : سكْرَى وعَطشى والمضموم : الأنثى والحُبلى فإذَا كان اسما ليس بنعت كسر أوّله، كقوله : وَذَكّرْ فإنّ الذّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ كسر أوّلها، لأنها اسم ليس بنعت، وكذلك الشّعَرى كسر أوّلها، لأنها اسم ليس بنعت. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : قِسْمَةٌ ضِيزَى قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم بالعبارة عنها، فقال بعضهم : قِسْمة عَوْجاء. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : تِلكَ إذا قِسْمَةٌ ضِيزَى قال : عوجاء.
وقال آخرون : قسمة جائرة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة تِلكَ إِذا قِسْمَةٌ ضِيزَى يقول : قسمة جائرة.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قِسْمَةٌ ضِيزَى قال : قسمة جائرة.
حدثنا محمد بن حفص أبو عبيد الوصائيّ، قال : حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا ابن لهيعة، عن ابن عمرة، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله : تِلكَ إذا قِسْمَةٌ ضِيزَى قال : تلك إذا قسمة جائرة لا حقّ فيها.
وقال آخرون : قسمة منقوصة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان تِلكَ إذا قِسْمَةٌ ضِيزَى قال : منقوصة.
وقال آخرون : قسمة مخالفة. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : تِلكَ إذا قِسْمَةٌ ضِيزَى قال : جعلوا لله تبارك وتعالى بنات، وجعلوا الملائكة لله بنات، وعبدوهم، وقرأ أَمِ اتّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكُمْ بالبَنِينَ وَإذَا بُشّرَ. . . الآية، وقرأ وَيجْعَلُونَ لِلّهِ البَناتِ. . . إلى آخر الاَية، وقال : دعوا لله ولدا، كما دعت اليهود والنصارى، وقرأ كَذَلِكَ قالَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال : والضيزى في كلام العرب : المخالفة، وقرأ إنْ هِيَ إلاّ أسمْاءٌ سَمّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤكُمْ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى