التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله - سبحانه - :﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غوى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى﴾. جواب القسم. و " ما " نافية. و " ضل " من الضلال، والمراد به هنا : عدم الاهتداء إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم.
و " غوى " من الغى، وهو الجهل الناشىء من اعتقاد فاسد، وهو ضد الرشد.
و " الهوى " الميل مع شهوات النفس، دون التقيد بما يقتضيه الحق، أو العقل السليم.
والمعنى : وحق النجم الذى ترونه بأعينكم - أيها المشركون - عند غربوه وأفوله، وعند رجمنا به للشياطين... إن محمدا - ﷺ - الذى أرسلناه إليكم - ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ ما ضل عن طريق الحق فى أقواله وأفعاله، وما كان رأيه مجانبا للصواب فى أمر من الأمور، وما ينطق بنطق صادر عن هوى نفسه ورأيه، وإنما ينطق بما نوحيه إليه من قرآن كريم، ومن قول حيكم، ومن توجيه سديد.
وقد أقسم - سبحانه - بالنجم عند غروبه، للإشعار بأن هذا المخلوق العظيم مسخر لإرادة الله - تعالى - وقدرته فهو مع لمعانه وظهوره فى السماء لا يتأبى عن الغروب والأفول، إذا ما أراد الله - تعالى - له ذلك، ولا يصلح أن يكون إلها، لأنه خاضع لإرادة خالقه.
ولقد حكى - سبحانه - عن نبيه إبراهيم أنه حين ﴿جَنَّ عَلَيْهِ الليل رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين﴾ قال بعض العلماء : والوجه أن يكون قوله :﴿إِذَا هوى﴾ بدل اشتمال من النجم، لأن المراد من النجم أحواله الدالة على قدرة خالقه ومصرفه، ومن أعظم أحواله حال هويّه وسقوطه، ويكون " إذا " اسم زمان مجردا عن معنى الظرفية، فى محل جر بحرف القسم..
وقال - سبحانه - :﴿صَاحِبُكُمْ﴾ للإشارة إلى ملازمته ﷺ - لهم، طوال أربعين سنة قبل البعثة، وأنهم فى تلك المدة الطويلة لم يشاهدوا منه إلا الصدق، والأمانة، والعقل الراجح، والقول السديد... وأنهم لم يخف عليهم حاله بل كانوا مصاحبين له، ومطلعين على سلوكه بينهم، فقولهم بعد بعثته - ﷺ - إنه ساحر أو مجنون... هو نوع من كذبهم البين، وجهلهم المطبق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى