مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الضلال والغي، والذي قاله بعضهم عند محاولة الفرق : أن الضلال في مقابلة الهدى، والغي في مقابلة الرشد، قال تعالى :﴿وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا﴾ وقال تعالى :﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ وتحقيق القول فيه أن الضلال أعم استعمالا في الوضع، تقول ضل بعيري ورحلي، ولا تقول غوى، فالمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقا أصلا، والغواية أن لا يكون له طريق إلى المقصد مستقيم يدلك على هذا أنك تقول للمؤمن الذي ليس على طريق السداد إنه سفيه غير رشيد، ولا تقول إنه ضال، والضال كالكافر، والغاوي كالفاسق، فكأنه تعالى قال :﴿ما ضل﴾ أي ما كفر، ولا أقل من ذلك فما فسق، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى :﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ أو نقول الضلال كالعدم، والغواية كالوجود الفاسد في الدرجة والمرتبة، وقوله ﴿صاحبكم﴾ فيه وجهان :( الأول ) سيدكم ( والآخر ) مصاحبكم، يقال صاحب البيت ورب البيت، ويحتمل أن يكون المراد من قوله ﴿ما ضل﴾ أي ما جن، فإن المجنون ضال، وعلى هذا فهو كقوله تعالى :﴿ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون﴾ فيكون إشارة إلى أنه ما غوى، بل هو رشيد مرشد دال على الله بإرشاد آخر، كما قال تعالى :﴿قل ما أسألكم عليه من أجر﴾ وقال :﴿إن أجري إلا على الله﴾ وقوله تعالى :﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ إشارة إلى قوله هاهنا ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ فإن هذا خلق عظيم، ولنبين الترتيب فنقول : قال أولا ﴿ما ضل﴾ أي هو على الطريق ﴿وما غوى﴾ أي طريقه الذي هو عليه مستقيم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى