حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري

عن الكتاب
والمعنى: وأهلك الله سبحانه قوم لوط بانقلاب قريتهم عليهم، وجعل عاليها سافلها، ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، كما قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾. وهذا ما عناه سبحانه بقوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ﴾.
خلاصة ما هنا: وجملة ما ذكره سبحانه مما تضمنته صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام أربعة عشر:
١ - أن لا يؤاخذ امرؤ بذنب غيره.
٢ - أن لا يثاب امرؤ إلا بعمله.
٣ - أن العامل يرى عمله في ميزانه خيرًا كان أو شرًّا.
٤ - أنه يجازى عليه الجزاء الأوفى، فتضاعف له حسناته إلى سبع مئة ضعف ويجازى بمثل سيئاته.
٥ - أن الخلائق كلهم راجعون يوم المعاد إلى ربهم، ومجازون بأعمالهم.
٦ - أنه تعالى خلق الضحك والبكاء والفرح والحزن.
٧ - أنه سبحانه خلق الذكر والأنثى من نطفة تصب في الأرحام.
٨ - أنه تعالى خلق الموت والحياة.
٩ - أنه هو الذي أعطى الغنى والفقر، وكلاهما بيده، وتحت قبضته.
١٠ - أنه هو رب الشعرى، وكانت خزاعة تعبدها.
١١ - أنه أهلك عادًا الأولى، وقد كانوا أول الأمم هلاكًا بعد قوم نوح.
١٢ - أنه أهلك ثمود فما أبقاهم، بل أخذهم بذنوبهم.
١٣ - أنه أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، وقد كانوا أظلم وأطغى من الفريقين.
١٤ - أنه أهلك المؤتفكة. وهي قرى قوم لوط، وقد انقلبت بأهلها، وغطّاها بحجارة من سجيل.
٥٥ - ﴿فَبِأَيِّ الَاءِ رَبِّكَ﴾؛ أي: فبأيّ نعماء ربك، وخالقك التي أنعم بها عليك أيها المخاطب ﴿تَتَمَارَى﴾؛ أي: تتجاحد، وتمتري، وتكذب. ونحو الآية قوله: {يَا أَيُّهَا
الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)}، وقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، وقوله: ﴿فَبِأَيِّ الَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾.
والمراد بالنعم (١): ما عدَّده من قبل، وجعلت كلها نعمًا، وبعضها نقم لما في النقم من المواعظ والعبر للمعتبرين من الأنبياء والمؤمنين.
والخلاصة: أنها كلها دالة على وحدانية ربك وربوبيته، ففي أيها تتشكك على وضوحها للناظرين، ووجوه دلالتها للمعتبرين. وهذا خطاب للإنسان المكذب؛ أي: فبأي نعم ربك أيها الإنسان المكذب تشكك، وتمتري. وقيل: الخطاب لرسول الله - ﷺ - تعريضًا لغيره على حدّ قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. أو لكل واحد، وإسنار فعل التماري إلى الواحد باعتبار تعدده بحسب تعدد متعلقه.
وعبارة "الروح": وجعل الأمور المعدودة الطاء مع أن بعضها نقم لما أنها أيضًا نعم، من حيث إنها نصرة للأنبياء والمؤمنين، وانتقام لهم. وفيها عظات، وعبر للمعتبرين. قال في "بحر العلوم": وهلاك أعداء الله تعالى؛ والنجاة من صحبتهم وشرهم، والعصمة من مكرهم من أعظم آلاته تعالى الواصلة إلى المؤمنين. قال المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَىعَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ
وقد أمر نوحًا بالحمد على ذلك في قوله: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وقد حمد هو بنفسه على ذلك في موضع آخر تعليمًا لعباده حيث قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾. وقد سجد - ﷺ - سجدة الشكر حين رأى رأس أبي جهل قد قطعت في غزوة بدر.
وقرأ الجمهور: (٢) ﴿تَتَمَارَى﴾ بتائين من غير إدغام. وقرأ يعقوب، وابن محيصن ﴿تمارى﴾ بتاء واحدة مشددة. والفاء في قوله: ﴿فَبِأَيِّ الَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ للإفصاح؛ لأنّها وقعت في جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت يا محمد هذه المذكورات، وكنت شاكًّا فيها على سبيل الفرض.. فأقول لك: بأيّ نعمة من نعم ربك تتشكك بأنها ليست من عند الله تعالى، أو في كونها نعمة. فكما نصرت
(١) المراغي.
(٢) البحر المحيط.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى