تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( وورث سليمان داود ) قال أهل التفسير : ليس المراد منه وراثة المال، وإنما المراد منه إرث الملك والنبوة، وكان داود ملكا نبيا، [ وكذلك ] (١) سليمان ملكا نبيا، وأعطى سليمان ما أعطى داود من الملك، وزيد له تسخير الريح، ولم يكن هذا لأبيه، وكذلك تسخير الشياطين. قال الكلبي : كان لداود تسعة عشر ولدا ذكرا، وورث ملكه ونبوته سليمان من بينهم.
وفي بعض المسانيد : عن أبي هريرة أن الله تعالى أمر داود أن يسأل سليمان عن عشر مسائل : فإن أجاب فهو خليفته. وروى أن الله تعالى بعث إلى داود بصحيفة مختومة فيها جواب المسائل فجمع داود الأحبار والرهبان، وأحضر سليمان وسأله عن المسائل، وكانت المسائل العشر أن داود سأل سليمان - صلوات الله عليهما - فقال : ما أقرب الأشياء ؟ وما أبعد الأشياء ؟ وما آنس الأشياء ؟ وما أوحش الأشياء ؟ وما الشيئان القائمان ؟ وما الشيئان المختلفان ؟ وما الشيئان المتباغضان ؟ [ وما الذي إذا استعمل في أول الشيء حمد في آخره ؟ ] وما الذي إذا استعمل في أول الشيء ذم في آخره ؟ فقال : أما أقرب الأشياء فالآخرة، وأما أبعد الأشياء فالذي فاتك من الدنيا، وأما آنس الأشياء فجسد فيه روحه، وأما أوحش الأشياء فجسد لا روح فيه، وأما الشيئان القائمان فالسماء والأرض، وأما الشيئان المختلفان فالليل و النهار، وأما الشيئان المتباغضان فالحياة والموت، وأما الذي إذا استعمل في أول الشيء حمد في آخره، فالحلم عند الغضب، وأما الذي إذا استعمل في أول الشيء ذم في آخره فالحدة عند الغضب، فلما أجاب سليمان بهذه الأجوبة، فك الختم عن الصحيفة التي بعثها الله تعالى، فإذا الأجوبة على وفق ما قال سليمان صلوات الله عليه وسلم.
وفي هذا الخبر : أن سليمان لما أجاب بهذه الأجوبة سألته الأحبار عن مسألة أخرى فقالوا : ما الشيء الذي إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله ؟ فقال : هو القلب. فقالت الأحبار له : حق لك الخلافة يا سليمان، فحينئذ استخلفه داود عليه السلام.
فإن قيل : إذا كان داود استخلفه، فكيف يستقيم قوله تعالى :( وورث سليمان داود ) ؟ قلنا : المراد من الإرث هاهنا هو قيامه مقام داود في الملك والنبوة والعلم، وليس المراد من الإرث الذي يعلم في الأموال، وهذا مثل قولهم : العلماء ورثة الأنبياء، والمراد منه ما بينا.
وقوله :( وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير ) سمى صوته منطقا لحصول الفهم بمعناه، كما يفهم معنى كلام الناس، إلا أن صوت الطير على صيغة واحدة، وأصوات الناس على صيغ مختلفة، ويحتمل أن ذلك في زمان سليمان خاصة معجزة له أنه جعل لأصواتهم معاني مفهومة كما يفهم الناس بعضهم من بعض.
وقد روى نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال :«الديك الأبيض صديقي، وصديق صديقي وعدو عدوى، فقيل : يا رسول الله، وماذا يقول ؟ قال : يقول اذكروا الله يا غافلين » (٢). وهذا خبر غريب.
وفي بعض المسانيد : أن جماعة من اليهود أتوا عبد الله بن عباس : فقالوا له : إنا سائلوك عن أشياء فإن أجبتنا أسلمنا، فقال : سلوا (٣) تفقها، ولا تسألوا تعنتا، فقالوا : ماذا يقول القس في صفيره ؟ والديك في صقيعه ؟ والضفدع في نقيقه ؟ والحمار في نهيقه ؟ والفرس في صهيله ؟ وماذا يقول الزرزور أو الدراج ؟ فقال : أما القس يقول : اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد، وأما الديك يقول : اذكروا الله يا غافلين، وأما الضفدع يقول : سبحان المعبود في لجج البحار، وأما الحمار فيقول : اللهم العن العشارين، وأما الفرس إذا حمحم عند التقاء الصفين فإنه يقول : سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وأما الزرزور فإنه يقول : اللهم أسألك قوت يوم بيوم يارزاق، وأما الدراج فيقول : الرحمن على العرش استوى، قال : فأسلم اليهود.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال في الحمار :«إذا نهق فإنه قد رأى شيطانا » (٤).
وقوله :( وأوتينا من كل شيء ) أي : من كل شيء يؤتى الأنبياء والملوك، وقيل : إنه قال هذا على طريق الكثرة والمبالغة، مثل قول القائل : كلمت كل أحد في حاجتك.
وقوله :( إن هذا لهو الفضل المبين ) أي : الزيادة الظاهرة على جميع الخلق.
١ - في "ك": وكذا..
٢ - عزاه السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٣٥٢) للواحدي في تفسيره من طريق داود بن طلحة، عن علي بن الخليل، عن موسى بن إبراهيم، عن الليث، عن نافع به. وفي ذكر الديك الأبيض أحاديث، وقد أفرد الحافظ أبو نعيم أخبار الديك في جزء، وكذا السيوطي وسماه: «الوديك في أخبار الديك. وانظر الموضوعات لابن الجوزي (٢/٣-٦)، والمقاصد الحسنة للسخاوي (٣٥١-٣٥٣)، وكشف الخفاء للعجلوني (١/٤٩٧-٤٩٨)، ونقل الأخير عن ابن القيم في الأجوبة الطرابلسية بعد سرده جملة من أحاديث الديك قوله: وبالجملة فكل أحاديث الديك كذبا إلا حديثا واحدا: إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله... الحديث.
قال العجلوني: ورأيت أيضا في سفر السعادة لصاحب القاموس أنه قال: لم يثبت في فضائل الديك الأبيض شيء. قال: «والحديث المسلسل المشهور فيه: الديك الأبيض صديقي. باطل وموضوع..

٣ - كلمة "سلوا" تكررت في "الأصل"..
٤ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (٦/٤٠٣ رقم ٣٣٠٣)، ومسلم (١٧/٧٢ رقم ٢٧٢٩)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى