اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :«ضاحكاً » قيل : هي حال مؤكدة(١) لأنها مفهومة من ( تبسم )، وقيل : بل هي حال مقدرة، فإن التبسم ابتداء الضحك، وقيل : لما كان التبسم قد يكون للغضب، ومنه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الغضبان، أي تضاحكاً مسبباً له، قال عنترة :
٣٩٤٢ - لَمَّا رَآنِي قَدْ قَصَدْتُ أُرِيدُهُأَبْدَى نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسُّمِ(٢)
وتبسَّم : تَفَعَّلَ بمعنى بَسَمَ المجرّد، قال :
٣٩٤٣ - وَتَبْسِمُ عَنْ أَلْمَى كَأَنَّ مُنَوَّراًتَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٌ لَهُ نَدِي(٣)
وقال بعض المولدين :
٣٩٤٤ - كَأَنَّمَا تَبْسِمُ عَنْ لُؤْلُؤٍمُنَضَّدٍ أَوْ بَرَدِ أَوْ أَقَاح(٤)
وقرأ ابن السميفع :«ضحكاً » مقصوراً(٥)، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مصدر مؤكد معنى تبسم، لأنه بمعناه(٦).
والثاني : أنه في موضع الحال، فهو في المعنى كالذي قبله(٧).
الثالث : أنه اسم فاعل كفرح، وذلك لأن فعله على فَعِل بكسر العين، وهو لازم، فهو كفرح وبطِر(٨). قوله :«أن أشكر » مفعول ثان ل «أوزعني »، لأن معناه : ألهمني، وقيل(٩) معناه : اجعلني أزع شكر نعمتك، أي : أكفه وأمنعه حتى لا ينفلت مني، فلا أزال شاكراً(١٠)، وتفسير الزجاج له بامنعني أن أكفر نعمتك(١١) من باب تفسير المعنى باللازم.

فصل :


قال الزجاج أكثر ضحك الأنبياء التبسم(١٢)، وقوله :«ضاحكاً » أي : مبتسماً، وقيل : كان أوله التبسم وآخره الضحك(١٣)، قال مقاتل : كان ضحك سليمان من قول النملة تعجباً، لأن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب وضحك(١٤)، وإنما ضحك لأمرين :
أحدهما : إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده وعلى شهرة حاله وحالهم في التقوى، وهو قولها :«وهم لا يشعرون ».
والثاني : سروره بما آتاه الله ما له يؤت أحداً، من سمعه كلام النملة وإحاطته بمعناه(١٥). ثم حمد سليمان ربه على ما أنعم عليه، فقال :﴿رَبِّ أوزعني﴾ ألهمني. ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين﴾.
وهذا يدل على أن دخول الجنة برحمته وفضله، لا باستحقاق العبد(١٦)، والمعنى : أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي في أسمائهم واحشرني في زمرتهم، قال ابن عباس : يريد مع إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم من النبيين(١٧). فإن قيل : درجات الأنبياء أفضل من درجات الأولياء والصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين، فقال يوسف(١٨) :﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١]، وقال سليمان :﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين﴾ ؟.
فالجواب : الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله ولا يهم بمعصية، وهذه درجة عالية(١٩).
١ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/١١٢، التبيان ٢/١٠٠٦..
٢ البيت من بحر الكامل، وهو من معلقة عنترة، وهو في شرح السبع الطوال لابن الأنباري (٣٥٠)، الحماسة البصرية ٢/٧٩، يقول: ليس إبداؤه نواجذه للضحك إنما لكراهة منه وخشية من الموت. وهذا موطن الشاهد..
٣ البيت من الطويل، وهو من معلقة طرفة بن العبد، وهو في ديوانه (٢١) والسبع الطوال ١٤٣-١٤٤، اللسان (لما)، البحر المحيط ٧/٥١. قوله: عن ألمى: أي عن ثغر ألمى، فاكتفى بالنعت عن المنعوت. الألمى: أسمر الشفتين. المنور: النبات ذو الزهر. حرًّ الرمل: أحسنه لونا، الدعص: كثيب الرمل. النَّدي: الذي في أسفله الماء. والشاهد فيه قوله: (تبسم). فإنه من الثلاثي (بسم) وهو بمعنى (تبسَّم)..
٤ البيت من بحر السريع، قاله البحتري، وهو في ديوانه ١/٤٣٥، المصون (٧٩)، معاهد التنصيص ١/١٦٤، المنضّد: المنظم. البرد: حبيبات الثلج النازلة عن الغمام. الأقاح: جمع أقحوان، وهو نوع من الورود. والشاهد فيه قوله: (تبسم) فإنه من الثلاثي (بسم)..
٥ المحتسب ٢/١٣٩، البحر المحيط ٧/٦٢..
٦ المرجعان السابقان..
٧ انظر البحر المحيط ٧/٦٢..
٨ انظر التبيان ٢/١٠٠٦..
٩ في ب: وفعل. وهو تحريف..
١٠ انظر الكشاف ٣/١٣٨..
١١ انظر معاني القرآن وإعرابه ٤/١١٢-١١٣..
١٢ معاني القرآن وإعرابه ٤/١١٢..
١٣ انظر البغوي ٦/٢٦٨..
١٤ المرجع السابق..
١٥ انظر الكشاف ٣/١٣٨، الفخر الرازي ٢٤/١٨٨..
١٦ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٨٨..
١٧ انظر البغوي ٦/٢٦٨..
١٨ في النسختين: إبراهيم. والتصويب من الفخر الرازي..
١٩ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٨٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى