اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَتَفَقَّدَ الطير﴾ الآية «تَفَقَّدَ الطَّيْرَ » : طلبها وبحث عنها، والتفقد طلب ما فقد، والمعنى طلب ما فقد من الطير، واختلفوا فيما تفقده من أجله، فقيل : لأنه أخل بالنوبة التي كان ينوبها(١)، وقيل : لأن هندسة الماء كانت لديه، وكان يرى الماء تحت الأرض كما يرى في الزجاجة وكان يعرف قربه وبعده في عمق الأرض(٢). قال سعيد بن جبير : لما ذكر ابن عباس هذا قال له نافع بن الأزرق : يا وصاف، انظر ما يقول : إن الصبي منا يضع الفخ ويحثو عليه التراب، فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ، حتى يقع في عنقه، فقال له ابن عباس : ويحك إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر(٣)، وهذا القول فيه نظر، لأن الجن أعرف بالأرض من الهدهد، فإنهم سكانها، وقيل : لأنه كان يظله من الشمس(٤).
قوله :﴿مَالِيَ(٥) لاَ أَرَى الهدهد﴾، هذا استفهام توقيف(٦) ولا حاجة إلى ادعاء القلب وأن الأصل : ما للهدهد لا أراه(٧) ؟ إذ المعنى قوي دونه، والهدهد معروف، وتصغيره على هديهد، وهو القياس، وزعم بعض النحويين أنه تقلب ياء تصغيره ألفاً، فيقال : هداهد، وأنشد :
كما قالوا : دُوَابَّة وشُوَابَّة، في : دُوَيْبَة وشُوَيْبَة، ورده بعضهم بأن الهداهد الحمام الكثير ترجيع الصوت(٩). تزعم العرب أن جارحاً في زمن الطوفان اختطف فرخ حمامة تسمى الهديل، قالوا : فكل حمامة تبكي فإنما تبكي على الهديل(١٠).
قوله :«أم كان »، هذه «أم » المنقطعة، وتقدم الكلام فيها، وقال ابن عطية : قوله ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد﴾ مقصد الكلام : الهدهد غاب، ولكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه، فاستفهم على جهة التوقيف(١١) عن اللازم، وهذا ضرب من الإيجاز، والاستفهام الذي في قوله «مَالِيَ » ناب مناب الألف التي تحتاجها «أم »(١٢)، قال أبو حيان : فظاهر كلامه أن «أم » متصلة، وأن الاستفهام الذي في قوله :«مالي » ناب مناب ألف الاستفهام، فمعناه : أغاب عني الآن فلم أره حال التفقد أم كان ممن غاب قبل، ولم أشعر بغيبته ؟(١٣).
قال شهاب الدين : ولا يظن بأبي محمد(١٤) ذلك، فإنه لا يجهل أن شرط المتصلة تقدم همزة الاستفهام أو التسوية لا مطلق الاستفهام(١٥).
قوله :﴿مَالِيَ(٥) لاَ أَرَى الهدهد﴾، هذا استفهام توقيف(٦) ولا حاجة إلى ادعاء القلب وأن الأصل : ما للهدهد لا أراه(٧) ؟ إذ المعنى قوي دونه، والهدهد معروف، وتصغيره على هديهد، وهو القياس، وزعم بعض النحويين أنه تقلب ياء تصغيره ألفاً، فيقال : هداهد، وأنشد :
| ٣٩٤٥ - كَهُدَاهِدٍ كَسَرَ الرُّمَاةُ جَنَاحَهُ | يَدْعُوا بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ هَدِيلاً(٨) |
قوله :«أم كان »، هذه «أم » المنقطعة، وتقدم الكلام فيها، وقال ابن عطية : قوله ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد﴾ مقصد الكلام : الهدهد غاب، ولكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه، فاستفهم على جهة التوقيف(١١) عن اللازم، وهذا ضرب من الإيجاز، والاستفهام الذي في قوله «مَالِيَ » ناب مناب الألف التي تحتاجها «أم »(١٢)، قال أبو حيان : فظاهر كلامه أن «أم » متصلة، وأن الاستفهام الذي في قوله :«مالي » ناب مناب ألف الاستفهام، فمعناه : أغاب عني الآن فلم أره حال التفقد أم كان ممن غاب قبل، ولم أشعر بغيبته ؟(١٣).
قال شهاب الدين : ولا يظن بأبي محمد(١٤) ذلك، فإنه لا يجهل أن شرط المتصلة تقدم همزة الاستفهام أو التسوية لا مطلق الاستفهام(١٥).
١ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٨٩..
٢ انظر البغوي ٦/٢٦٩..
٣ المرجع السابق..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٨٩..
٥ لي: سقط من ب..
٦ يريد استفهاما حقيقيا يقصد منه السؤال عما يسأل عنه..
٧ انظر القرطبي ١٣/١٧٩..
٨ البيت من بحر الكامل، قاله النميري، وهو في الخصائص ٢/٩٥، المفضليات (٤٥٧) المقرب (٤٣٦)، جمهرة القرشي (١٧٥)، اللسان (هدد، هدل)، البحر المحيط ٧/٥١، الهديل المراد به هنا صوت الهدهد. والشاهد فيه أن (هداهد) تصغير (هدهد) بقلب ياء التصغير ألفا..
٩ انظر المقرب (٤٣٦-٤٣٧)، اللسان (هدد)..
١٠ انظر اللسان (هدل)..
١١ في ب: الوقف..
١٢ تفسير ابن عطية ١١/١٨٩..
١٣ البحر المحيط ٧/٦٤..
١٤ تفسير ابن عطية ١١/١٨٩..
١٥ الدر المصون ٥/١٨٥..
٢ انظر البغوي ٦/٢٦٩..
٣ المرجع السابق..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٨٩..
٥ لي: سقط من ب..
٦ يريد استفهاما حقيقيا يقصد منه السؤال عما يسأل عنه..
٧ انظر القرطبي ١٣/١٧٩..
٨ البيت من بحر الكامل، قاله النميري، وهو في الخصائص ٢/٩٥، المفضليات (٤٥٧) المقرب (٤٣٦)، جمهرة القرشي (١٧٥)، اللسان (هدد، هدل)، البحر المحيط ٧/٥١، الهديل المراد به هنا صوت الهدهد. والشاهد فيه أن (هداهد) تصغير (هدهد) بقلب ياء التصغير ألفا..
٩ انظر المقرب (٤٣٦-٤٣٧)، اللسان (هدد)..
١٠ انظر اللسان (هدل)..
١١ في ب: الوقف..
١٢ تفسير ابن عطية ١١/١٨٩..
١٣ البحر المحيط ٧/٦٤..
١٤ تفسير ابن عطية ١١/١٨٩..
١٥ الدر المصون ٥/١٨٥..