الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿أَلاَّ تَعْلُواْ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها : أنَّ " أنْ " مفسِّرةٌ، كما تقدَّمَ في أحد الأوجهِ في " أنْ " قبلَها في قراءةِ عكرمة، ولم يذكُرْ الزمخشريُّ غيرَه. وهو وجهٌ حسنٌ لِما في ذلك من المشاكلةِ : وهو عطفُ الأمرِ عليه وهو قولُه " وَأْتُوْني ".
والثاني : أنها مصدرية في محلِّ رفعٍ بدلاً مِنْ " كتاب " كأنه قيل : أُلْقِيَ إليَّ : أَنْ لا تَعْلُوا عليَّ.
والثالث : أنها في موضعِ رفعٍ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ أي : هو أَنْ لا تَعْلُوا. والرابع : أنَّها على إسقاطِ الخافضِ أي : بأَنْ لا تَعْلُوا، فيجيْءُ في موضِعها القولان المشهوران. والظاهر أنَّ " لا " في/ هذه الأوجهِ الثلاثة للنهيِ. وقد تقدَّم أنَّ " أَنْ " المصدريةَ تُوْصَلُ بالمتصرفِ مطلقاً. وقال الشيخ :" وأَنْ في قولِه :" أن لا تَعْلُوا عليَّ " في موضع رفعٍ على البدلِ من " كتاب ". وقيل : في موضعِ نصبٍ على [ معنى ] : بأن لا تَعْلُوا. وعلى هذين التقديرين تكون " أنْ " ناصبةً للفعل ". قلت : وظاهرُ هذا أنها نافيةٌ ؛ إذ لا يُتَصَوَّرُ أَنْ تكونَ ناهيةً بعد " أَنْ " الناصبةِ للمضارع. ويؤيِّد هذا ما حكاه عن الزمخشريِّ فإنه قال :" وقال الزمخشريُّ : وأنْ في " أَنْ لا تَعْلُوا " مفسرةٌ " قال :" فعلى هذه تكون " لا " في " لا تَعْلُوا " للنهي، وهو حسنٌ لمشاكلة عطفِ الأمرِ عليه ". فقوله :" فعلى هذا " إلى آخره صريحٌ أنها على غيرِ هذا يعني الوجهين المتقدمين ليست للنهي فيهما. ثم القولُ بأنَّها للنفيِ لا يَظْهَرُ ؛ إذ يصيرُ المعنى على الإِخبارِ منه عليه السلامُ بأنهم لا يَعْلُون عليه، وليس هذا مقصوداً، وإنما المقصودُ أَنْ يَنْهاهُمْ عن ذلك.
وقرأ ابن عباس والعقيلي " تَغْلُوا " بالغين مُعْجمةً من الغُلُوِّ وهو مجاوَزَةُ الحَدِّ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى