البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الحاجز : الفاصل بين الشيئين.
ولما ذكر تعالى أنه منشىء السموات والأرض، ذكر شيئاً مشتركاً بين السماء والأرض، وهو إنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق بالأرض، ذكر شيئاً مختصاً بالأرض، وهو جعلها قراراً، أي مستقراً لكم، بحيث يمكنكم الإقامة بها والاستقرار عليها، ولا يديرها الفلك، قيل : لأنها مضمحلة في جنب الفلك، كالنقطة في الرحى.
﴿وجعل خلالها﴾ : أي بين أماكنها، في شعابها وأوديتها، ﴿أنهاراً وجعل لها رواسي﴾ : أي جبالاً ثوابت حتى لا تتكففأ بكم وتميد.
والبحران : العذب والملح، والحاجز : الفاصل، من قدرته تعالى، قاله الضحاك.
وقال مجاهد : بحر السماء والأرض، والحاجز من الهواء.
وقال الحسن : بحر فارس والروم، وقال السدّي : بحر العراق والشام، والحاجز من الأرض.
قال ابن عطية : مختاراً لهذا القول في الحاجز : هو ما جعل الله بينهما من حواجز الأرض وموانعها، على رقتها في بعض المواضع، ولطافتها التي لولا قدرته لبلع الملح العذب.
وكان ابن عطية قد قدم أن البحرين : العذب بجملته، والماء الأجاج بجملته ؛ ولما كانت كل واحدة منه عظيمة مستقلة، تكرر فيها العامل في قوله :﴿وجعل﴾، فكانت من عطف الجمل المستقل كل واحدة منها بالامتنان، ولم يشرك في عامل واحد فيكون من عطف المفردات.
ولأبي عبد الله الرازي في ذكر هذه الامتنانات الأربع كلام من علم الطبيعة، والحكماء على زعمه، خارج عن مذاهب العرب، يوقف عليه في كتابه.
ولما ذكر جعل الأرض مستقراً، وتفجير الأنهار، وإرساء الجبال، وكان ذلك تنبيهاً على تعقل ذلك والفكر فيه، ختم بقوله :﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾، إذ كان فيهم من يعلم ويفكر في ذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى