غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
ثم بعد أن خوّفهم بأهوال القيامة وأحوالها ذكر ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال :﴿ألم يروا﴾ الآية. ووجه دلالته على التوحيد أن التقليب من النور إلى الظلمة وبالعكس لا يتم إلا بقدرة قاهرة، ودلالته على الحشر أن النوم يشبه الموت والانتباه يشبه الحياة، ودلالته على النبوّة أن كل هذا لمنافع المكلفين وفي بعثة الرسل إلى الخلق أيضا منافع جمة، فما المانع لمفيض الخيرات من إيصال بعض المنافع دون البعض، أو من رعاية بعض المصالح دون البعض ؟ ووصف النهار بالإبصار إنما هو باعتبار صاحبه وقد مر في " يونس ". والتقابل مراعى في الآية من حيث المعنى كأنه قيل : ليسكنوا فيه وليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿قل سيروا﴾ في أرض البشرية ﴿فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين﴾ لأن خواص نفوسهم انموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب انموذج من الجنة ﴿وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم﴾ لأنه خمر طينة آدم بيديه أربعين صباحاً ونفخ فيه من روحه فهو مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال ﴿وما من غائبة﴾ من الخواص في سماء القلب وأرض القالب ﴿إلا في كتاب مبين﴾ وهو علم الله تعالى أن هذا القرآن يقص لأن كل كتاب كان مشتملاً على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال ﴿إن ربك يقضي بينهم﴾ أي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا ﷺ إلى مقام المحبة. فاتبعوني يحببكم الله ﴿وهو العزيز﴾ الذي لعزته لا يهدي كل مثمن إلى مقام حبيبه ﴿العليم﴾ بمن يستحق هذا المقام. ﴿فتوكل على الله إنك على الحق المبين﴾ في دعوة الخلق إلى الله ﴿وإذا وقع القول عليهم﴾ وذلك بعد البلوغ ومضى زمان الرعي في مراتع البهيمية ﴿أخرجنا لهم﴾ من تحت أرض البشرية ﴿دابة تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾ وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها بالدلائل. ﴿ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون﴾ من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة ﴿قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون﴾ بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ينطقون كقوله " من عرف الله كل لسانه " ﴿ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً﴾ جعلنا ليل البشرية سبباً لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصراً يبصر به الحق من الباطل. ﴿ويوم ينفخ﴾ إسرافيل المحبة في صور القلب ﴿ففزع﴾ من في سموات الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية ﴿إلا من شاء الله﴾ من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحب. وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة ﴿إلا من شاء الله﴾ وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية ﴿وترى﴾ جبال الأشخاص ﴿جامدة﴾ على حالها ﴿وهي تمر﴾ بالسير في الصفات وتبديل الأخلاق ﴿مر السحاب﴾ ﴿رب هذه البلدة﴾ وهي القلب والرب هو الله كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على الشيطان كما قال ﴿يوسوس في صدور الناس﴾ [الناس: ٥] دون أن يقول " في قلوب الناس " ﴿سيريكم آياته فتعرفونها﴾ فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم.