البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
﴿وأهْدِيَكَ إِلى ربك﴾ ؛ وأهديك إلى معرفته، بذكر دلائل توحيده وصفات ذاته، ﴿فتخشَى﴾، لأنَّ الخشية لا تكون إلاَّ مع المعرفة، قال تعالى :﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُاْ﴾ [فاطر: ٢٨] أي : العلماء بالله. وقال بعض الحكماء : اعرفوا الله، فمَن عرف الله لم يقدر أن يعصيه طرفةَ عين. فالخشية ملاك الأمر، فمَن خشي الله أتى منه كل خير، ومَن أَمِنَ اجترأ على كل شر. ومنه الحديث :" مَن خشي أدلج، ومَن أدلج بلغ المنزل " (١) قال النسفي : بدأ مخاطبته بالاستفهام، الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه : هل لك أن تنزل بنا ؟ وأردفه الكلامَ الرقيق، ليستدعيه باللطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوّه، كما أمر بذلك في قوله :﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِِّناً﴾
[طه: ٤٤] ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : جعل القشيري موسى إشارة إلى القلب، وفرعون إشارة إلى النفس، فيُقال : هل أتاك حديث القلب حين ناداه ربه بالحضرة المقدسة، بعد طي الأكوان عن مرآة نظره، فقال له : اذهب إلى فرعون النفس إنه طغى. وطغيانها : إرادتها العلو والاستظهار، فقل له : هل لك إلى أن تَزَكَّى وتتطهر من الخبائث، لتدخل الحضرة، فأَهديك إلى معرفة ربك فتخشى، فإنما يخشى اللهَ مَن عرفه. فأراه الآية الكبرى مِن خرق العوائد ومخالفة الهوى، فكَذَّب وعصى، حين رأى عزم القلب على مجاهدته، فحشر جنوده مِن حب الدنيا والرئاسة، وإقبال الناس والحظوظ والشهوات، فنادى، فقال : أنا ربكم الأعلى، فلا تعبدوا غيري. هذا قول فرعون النفس، فأخذه اللهُ نكال الآخرة والأولى، أي : استولى جند القلب عليه، فأغرقه في قلزوم بحر الفناء والبقاء. إنَّ في ذلك لعبرة لمَن يخشى، ويسلك طريق التزكية، فإنه يصل إلى بحر الأحدية. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.

١ أخرجه الترمذي في صفة القيامة حديث ٢٤٥٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى