اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
وقوله :«رَفَعَ سَمْكهَا » جملة مفسرة لكيفية البناء، «والسَّمْك » :«الارتفاع ».
قال الزمخشريُّ(١) :«جعل مقدار ذهابها في سمتِ العلوِّ مديداً رفيعاً ».
وسكمتُ الشيء : رفعته في الهواء، وسمك هو، أي : ارتفع سُمُوكاً، فهو قاصرٌ ومتعدٍّ، وبناء مسموك، وسنامٌ سَامِكٌ تَامِكٌ، أي : عالٍ مرتفعٌ، وسماك البيت ما سمكته به، والمسموكاتُ : السماوات ويقال : اسمك في الدّيم، أي : اصعد في الدرجة، والسماك : نجم معروف، وهما اثنان، رامح وأعزل ؛ قال الشاعر :[ الكامل ]
٥٠٩٩- إنَّ الذي سَمكَ السَّماءَ بَنَى لَنَابَيْتاً دَعَائِمُهُ اعَزُّ وأطْوَلُ(٢)
وقال البغويُّ(٣) :«رفَعَ سمْكهَا » أي : سقفها.

فصل في الكلام على هذه الآية


قال الكسائيُّ والفراء والزجاج : هذا الكلام تم عند قوله تعالى :﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء بَنَاهَا﴾، قال : لأنَّه من أصله السماء، والتقدير :«أم السماء التي بناها » فحذف «التي »، ومثل هذا الحذف جائز.
قال القفالُ(٤) : يقال : الرجل جاءك عاقل، أي : الرجل الذي جاءك عاقل، وإذا ثبت جواز ذلك في اللغة، فنقول : الدَّليل على أن قوله تعالى :«بَنَاهَا » صلةٌ لما قبله، أنَّه لو لم يكن صلة لكان صفة فقوله :«بَنَاهَا » صفة، ثم قوله :«رَفَعَ سَمْكهَا » صفة، فقد توالت صفتان، لا تعلُّق لإحداهما بالأخرى، فكان يجب إدخال العاطف بينهما، كما في قوله :«وأغطَشَ ليْلهَا »، ولمَّا لم يكن كذلك، علمنا أنَّ قوله :«بَناهَا » صلةٌ للسَّماءِ، فكان التقدير :«أم السَّماء التي بناهَا »، وهذا يقتضي وجود سماءٍ ما بَنَاهَا اللهُ، وذلك باطل.
وقوله :﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي : خَلقهَا خَلْقاً مستوياً، لا تفاوت فيه، ولا فطور، ولا شقوق.

فصل فيمن استدل بالآية على أن السماء كرة


قال ابن الخطيب(٥) : واستدلُّوا بهذه الآية على كونِ السَّماء كُرةً، قالوا : لأنه لو لم تكن كرةً لكان بعضُ جوانبها سطحاً، والبعض زاويةً والبعضُ خطًّا، ولكان بعض أجزائه اقرب إلينا، والبعض الآخر أبعد، فلا تحصل التَّسويةُ الحقيقية، ثُمَّ قالوا : لما ثبت أنَّها محدثةٌ مُفتقِرةٌ إلى فاعل مختار، فأيُّ ضررٍ في الدِّين يُنافِي كونها كرة.
١ ينظر: الكشاف ٤/٦٩٦..
٢ تقدم..
٣ معالم التنزيل ٤/٤٤٥..
٤ ينظر: الفخر الرازي ٣١/٤١..
٥ السابق ٣١/٣٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى