التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري

عن الكتاب
الفاء للسببية يعنى إذا ثبت البعث بأخبار الله تعالى بعد إمكانه وظهور قدرته سبحانه تعالى عليه بما ظهر من قدرته فى إيجاد العالم فاعلموا صفته وقت مجيئه وغيرها بالطامة الكبرى ليعلم بعض صفاته من عنوانه والطم فى اللغة الغلبة ويقال للبحر لانه يغلب كل شىء والطامة عند العرب الداهية التي لا يستطاع من ذلك سميت القيامة طامة لانها تطم الدواهي كلها وتغلبها ثم وصفها بالكبرى لمزيد تأكيدها فى الطم وإذا ظرف يتضمن معنى الشرط و.
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ بدل منه ما سَعى ما مصدرية او موصولة يعنى يرى اعماله عدد ما فى صحيفته وكان قد نسيها من قبل لفرط الغفلة او طول المدة.
وَبُرِّزَتِ عطف على يتذكر اى يوم يبرز يظهر الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى لكل من يرى قال مقاتل يكشف عنها الغطاء فيظهر إليها الخلق اما الكفار فيدخلها واما المؤمن فيمرون من الصراط على ظهرها او المراد لمن يرى الكفار وجواب إذا قيل محذوف دل عليه يوم يتذكر والظاهر ان جوابه ما بعده من التفضل ولا ضرورة فى التقدير.
فَأَمَّا مَنْ طَغى اى جاوز الحد فى العصيان حتى كفر.
وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا على الاخرة باتباع الشهوات وهواء النفس.
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى هى فصل او مبتداء واللام فى المأوى يدل على المضاف اليه عند الكوفيين اى ماواه وعند السيبويه والبصريين تقديره هى المأوى له عن ابى موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من أحب دنياه اخر آخرته ومن أحب آخرته اخر بدنياه فاثروا ما يبقى على ما يغنى رواه احمد والبيهقي فى الشعب وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره متفق عليه وعند مسلم حفت مكان حجبت وعنه ان الدنيا ملعونة وملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه وعالم او متعلم رواه الترمذي وابن ماجه.
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ اى مقامه يوم القيامة لحساب ربه وَنَهَى النَّفْسَ الامارة بالسوء عَنِ الْهَوى فى الصحاح الهوى ميل النفس مما يشتهيه قيل سمى به لانه يهوى صاحبه فى الدنيا الى كل داهية وفى الاخرة الى الهاوية والهوى الانهدار والسقوط عن علو اعلم ان الهوى راس المنهيات وأساس المحرمات قال ابو بكر الوراق ان الله لم يخلق خلقا أخبث من الهوى قلت وهو قبيح عقلا وشرعا اما عقلا فلان حقايق الأشياء كما هى فى نفس الأمر لا سيما حقائق المبدأ والمعاد وعواقب الأمور
من الأخلاق والافعال وغيرها المستدعية لحسنها وقبحها مما لا يدرك غالبا بالرأي وان أدرك بعضها بالرأي فلا يليق بالوثوق ما لم يستفاد من علام الغيوب بتوسط الرسل عليهم السلام والا لما احتيج الى الرسل فتحصيل العقائد الصحيحة والعلم بالأعمال الحسنة والقبيحة والعمل بها وبالأخلاق الشريفة والرذيلة لا يتصور الا باتباع الرسل على خلاف الهوى واتباع الهوى يضاده واما شرعا فلان الله سبحانه قال وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وفى الصحاح العبودية اظهار التدلل والعبادة ابلغ منها وهى ضربان عبادة بالتسخير كما يدل عليه قوله تعالى ولله يسجد من فى السموات والأرض طوعا وكرها وعبادة بالاختيار وهو مطلوبة من الثقلين فكما ان الأشياء كلها بالتسخير والاضطرار لا يتصور منه الا ما شاء الله وأراد فلا بد ان يكون كذلك بالاختيار لا يصدر منه شىء من افعال القلوب والجوارح وصفات النفس الا ما أراد الله وامر به بلا مدخل للهواء فيه وضده واتباع الهوى فهو ينافى العبودية فكل باطل قبيح منشعب من الهوى ومنبعث من الآراء الكاسدة قالت الكفار بناء على فساد رأيهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق ابشرا منا واحدا نتبعه قالت المجسمة الباري موجود وكل موجود جسم متحيز وقالت المعتزلة وغيرهم لا يتصور عذاب القبر ووزن الأعمال والصراط ونحو ذلك والفساق مع اعترافهم بوجوب امتثال الرسول والقران وعلمهم بعذاب الاخرة وعلى مساوى الأخلاق والأعمال لم يثبتوا على الشرائع باتباع الهوى والشهوات فتركوا الواجبات وارتكبوا المحرمات والمكروهات فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثلث مهلكات هوى الى بئس العبد عبد الهوى يضله رواه الترمذي والبيهقي عن اسماء بنت عميس وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثلث مهلكات هوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرأ بنفسه وهى أشد هن رواه البيهقي عن ابى هريرة قلت والثلث كلها راجعة الى الهوى وان كان المراد فى الحديث بالهوى بعض افرادها (فائدة) ترك الهوى على مراتب أدناه اجتناب ما هو يخالف ظاهر النصوص واجماع السلف فى العقائد وبه يصير مسلما سنيا وأوسطه ما قال مقاتل ان يهم الرجل المعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها ومن تمام هذه المرتبة ترك المشتبهات واجتناب عمالا بأس به حذرا
عما به بأس قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من اتقى المشتبهات ويتر العرضه ودينه ومن وقع فى المشتهيات وقع فى المحرمات كراعى يرعى حول الحمى يوشك ان يواقع متفق عليه عن النعمان بن بشير وايضا من تمامه قصر دايرة المباح على بالابد منه وترك الهوى فى الفضول منها قال رسول الله - ﷺ - من الإسراف ان تأكل كل ما اشتهيت رواه ابن ماجه والبيهقي عن انس قال المجدد رض قال سيدنا قبلتنا الشيخ الاجل الشيخ بهاء والدين النقشبندي وجدت طريقا اقرب طرق الى الله سبحانه وهى المخالفة مع النفس يعنى مع زيادة الرعاية الشريعة والله تعالى اعلم وهاهنا تدقيق وهى ان المعصية منها ما هو ظاهر يمكن التحرز عنها مخالفة المقام لجانب ربه العلام ومنها ما هو أدق من دبيب النمل وذلك ما كان منها فى لباس الحسنات كالرياء او العجب وتزكية النفس المنهي عنها فى كثرة النوافل والطاعات وهذا من مزال الاقدام قال بعض الاكابرة لمريده يا بنى لا أخاف طرق الشيطان إليك من سبيل السيئات ولكن أخاف ان يطرق إليك من طريق الحسنات والتحفظ فى هذا المقام اتهام نفسه فى كل مأتى به والتضرع والاستغفار- (أبيات)
خالف النفس والشيطان واعصهماوان هما محضاك النصح فاتهم
ولا تطع منهما خصما ولا حكمافانت تعرف كيد الخصم والحكم
استغفر الله من قول بلا عمللقد نسبت به نسلا لذى عقم
والحصين فى كل الحصين فى هذه المقام التشبث بذيل شيخ فإن فى الله باق به وان لا يفعل شيئا الا بامره واجازته ذكر الشيخ الامام يعقوب الكرخي رحمة الله عليه من بدأ حاله انه قال كنت نجارا فادركت فى نفسى تكاسلا وفى باطني شيئا من الظلمة فاردت ان أصوم أياما ليذهب ذلك فصمت وأصبحت عند الشيخ الامام الاجل بهاء الملة والدين النقشبندي فامر الشيخ بإحضار الطعام وقال لى كل فانه بئس العبد عبد هوى تضاله وقال ان الاكل أفضل من الصوم ان كان بهوى النفس ففهمت انه لا بد فى العبادة النافلة ايضا من اذن من الشيخ الفاني فى الله المستخلص عن الهوى قال قلت للشيخ بهاء الدين ان لم يوجد شيخ كذلك فماذا يفعل المرء قال فقال الشيخ ليستغفر الله كثيرا او يستغفر بعد كل صلوة عشرين مرة فانه قال رسول الله - ﷺ - انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله كل يوم مأية مرة وأعلى المراتب الانتهاء عن الهوى سلب الهوى عن نفسه بالكلية بحيث لا يكون له مراد ومطلب غير الله سبحانه وغير مراده ولتحصيل هذه المرتبة تكثير الصوفية تكرار لا اله الا الله بملاحظة

تفسير هذه الآية من كتب أخرى