مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى : جواب القسم المتقدم محذوف أو مذكور فيه وجهان ( الأول ) : أنه محذوف، ثم على هذا الوجه في الآية احتمالات :
الأول : قال الفراء التقدير : لتبعثن، والدليل عليه ما حكى الله تعالى عنهم، أنهم قالوا :﴿أئذا كنا عظاما نخرة﴾ أي أنبعث إذا صرنا عظاما نخرة ( الثاني ) : قال الأخفش والزجاج : لننفخن في الصور نفختين ودل على هذا المحذوف ذكر الراجفة والرادفة وهما النفختان ( الثالث ) : قال الكسائي : الجواب المضمر هو أن القيامة واقعة وذلك لأنه سبحانه وتعالى قال :﴿والذريات ذروا﴾ ثم قال :﴿إنما توعدون لصادق﴾ وقال :﴿والمرسلات عرفا إنما توعدون لواقع﴾ فكذلك ههنا فإن القرآن كالسورة الواحدة
( القول الثاني ) : أن الجواب مذكور وعلى هذا القول احتمالات
( الأول ) المقسم عليه هو قوله :﴿قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة﴾ والتقدير والنازعات غرقا أن يوم ترجف الراجفة تحصل قلوب واجفة وأبصارها خاشعة
( الثاني ) : جواب القسم هو قوله :﴿هل أتاك حديث موسى﴾ فإن هل ههنا بمعنى قد، كما في قوله :﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ أي قد أتاك حديث الغاشية
( الثالث ) : جواب القسم هو قوله :﴿إن في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾.
المسألة الثانية : ذكروا في ناصب يوم بوجهين ( أحدهما ) : أنه منصوب بالجواب المضمر والتقدير لتبعثن يوم ترجف الراجفة، فإن قيل كيف يصح هذا مع أنهم لا يبعثون عند النفخة الأولى والراجفة هي النفخة الأولى ؟ قلنا المعنى لتبعثن في الوقت الواسع الذي يحصل فيه النفختان، ولا شك أنهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع وهو وقت النفخة الأخرى.
ويدل على ما قلناه أن قوله :﴿تتبعها الرادفة﴾ جعل حالا عن الراجفة. ( والثاني ) : أن ينصب ( يوم ترجف ) بما دل عليه :﴿قلوب يومئذ واجفة﴾ أي يوم ترجف وجفت القلوب.
المسألة الثالثة : الرجفة في اللغة تحتمل وجهين ( أحدهما ) الحركة لقوله :﴿يوم ترجف الأرض والجبال﴾ ( الثاني ) : الهدة المنكرة والصوت الهائل من قولهم : رجف الرعد يرجف رجفا ورجيفا، وذلك تردد أصواته المنكرة وهدهدته في السحاب، ومنه قوله تعالى :﴿فأخذتهم الرجفة﴾ فعلى هذا الوجه الراجفة صيحة عظيمة فيها هول وشدة كالرعد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:اتفق جمهور المفسرين على أن هذه الأمور أحوال يوم القيامة، وزعم أبو مسلم الأصفهاني أنه ليس كذلك ونحن نذكر تفاسير المفسرين ثم نشرح قول أبي مسلم :
أما القول الأول : وهو المشهور بين الجمهور، أن هذه الأحوال أحوال يوم القيامة فهؤلاء ذكروا وجوها ( أحدها ) : أن الراجفة هي النفخة الأولى، وسميت به إما لأن الدنيا تتزلزل وتضطرب عندها، وإما لأن صوت تلك النفخة هي الراجفة، كما بينا القول فيه، والراجفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء على ما ذكره تعالى في سورة الزمر، ثم يروى عن الرسول ﷺ أن بين النفختين أربعين عاما، ويروى في هذه الأربعين يمطر الله الأرض ويصير ذلك الماء عليها كالنطف، وأن ذلك كالسبب للأحياء، وهذا مما لا حاجة إليه في الإعادة، ولله أن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد ( وثانيها ) : الراجفة هي النفخة الأولى والرادفة هي قيام الساعة من قوله :﴿عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون﴾ أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعادا لها فهي رادفة لهم لاقترابها ( وثالثها ) : الراجفة الأرض والجبال من قوله :﴿يوم ترجف الأرض والجبال﴾ والرادفة السماء والكواكب لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك ( ورابعها ) : الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفني.
( القول الثاني ) : وهو قول أبي مسلم أن هذه الأحوال ليست أحوال يوم القيامة، وذلك لأنا نقلنا عنه أنه فسر النازعات بنزع القوس والناشطات بخروج السهم، والسابحات بعدو الفرس، والسابقات بسبقها، والمدبرات بالأمور التي تحصل أدبار ذلك الرمي والعدو، ثم بنى على ذلك فقال الراجفة هي خيل المشركين وكذلك الرادفة ويراد بذلك طائفتان من المشركين غزوا رسول الله ﷺ فسبقت إحداهما الأخرى، والقلوب الواجفة هي القلقة، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين كقوله :﴿الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت﴾ كأنه قيل لما جاء خيل العدو يرجف، وردفتها أختها اضطرب قلوب المنافقين خوفا، وخشعت أبصارهم جبنا وضعفا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى