التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله﴾ بيان لأحوالهم القبيحة التى تجعلهم محل غضب الله وسخطه.
والاستخفاء معناه الاستتار. يقال استخفيت من فلان. أى : تواريت منه واستنرت.
أى : أن هؤلاء الذين من طبيعتهم الخيانة والوقوع فى الآثام يستترون من الناس عندنا يقعون فى النكرات حياء منهم وخوفا من ضررهم ﴿وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله﴾ أى : ولا يشعرون برقابه الله عليهم، واطلاعه على جميع أحوالهم، بل يرتكبون ما يرتكبون من آثام بدون حياء منه مع أنه - سبحانه - هو الأحق بأن يستحى منه، ويخشى من عقابه.
وقوله ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يرضى مِنَ القول وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ بيان لشمول علمه - سبحانه - بكل حركاتهم وسكناتهم.
أى : أن هؤلاء الخائنين يرتكبون السوء بدون حياء من الله، مع أنه - سبحانه - معهم فى كل حركاتهم وسكناتهم بعلمه واطلاعه على أقالهم وأعمالهم ولا يخفى عليه شئ من أمرهم حين " يبيتون " أى يضمرون ويدبرون فى أذهانهم مالا يرضاه الله - من القول كأن يرتكبوا المنكرات ثم يسمحونها فى غيرهم حتى لا يفتضح أمرهم.
قال صاحب الكشاف : وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياء والخشية من ربهم، مع علمهم - إن كانوا مؤمنين - أنهم فى حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح.
وقوله ﴿يُبَيِّتُونَ﴾ أى : يدبرون ويزورون وأصله أن يكون ليلا ﴿مَا لاَ يرضى مِنَ القول﴾ وهو تدبير طعمة أن يرمى الدرع فى دار غيره.
فإن قلت : كيف سمى التدبير قولا وإنما هو معنى فى النفس ؟ قلت : لما حدث بذلك نفسه سمى قولا على المجاز. ويجوز أن يكون المراد بالقول : الحلف الكاذب الذى حلف به طعمة بعد أن بيته وتوريكه الذنب على اليهودى.
وقوله ﴿وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ تذييل قصد به التهديد والوعيد. أى وكان الله - تعالى - محيطا إحاطة تامة بما يعمله هؤلاء الخائنون وغيرهم ولا يغب عن علمه شئ من تصرفاتهم، وسحاسبهم عليها يوم القيامة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى