اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لما ذكر الوعيد أتبعه بالدعوة إلى التوبة فقال :﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً﴾ يعني : السَّرِقَة، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بِرَمْيه البَرِيء، وقيل : السُّوء : الشِّرْكُ، وظلم النَّفْسِ : ما دون الشِّرْكِ، وقيل : المراد بالسُّوء : ما يَتَعَدَّى إلى الغَيْر، وظلم النَّفْس : ما يَخْتَصُّ به الإنْسَان ؛ كالحَلْف الكَاذِب، وإنما خَصَّ ما يتعدى إلى الغَيْر باسم(١) السُّوء ؛ لأنَّ ذلك يكون في الأكْثَر إيصَالاً(٢) للضَّرَر إلى الغَيْر، والضَّرَرُ سوءٌ حَاضِرٌ.
فأمَّا الذَّنْبُ الذي يَخُصُّ الإنْسَان : فذلك لا يَكُون في الأكثر ضَرَراً حَاضِراً.
وقوله :﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي : يَتُبْ إلى الله(٣) ويَستغفرهُ ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ وهذه الآيَة دَلَّتْ على أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ عن جميع الذُّنُوبِ سواءً كانت كُفْراً، أو قَتْلاً عَمْداً، أو غَصْباً(٤) للأمْوَال ؛ لأن السُّوء [ و ](٥) ظلم النَّفْسِ يَعُمُّ الكلُّ، وظاهر الآية يَقْتَضِي أنَّ(٦) مجرد الاسْتِغْفَار كَافٍ.
وقال بعضهم(٧) : إنَّه مقيَّد بالتَّوْبَة ؛ لأنَّهُ لا يَنْفَع الاسْتِغْفَارُ مع الإصرار.
وقوله :﴿غَفُوراً رَّحِيماً﴾ معناه : غفوراً رحيماً له، وحُذِفَ هذا القَيْد ؛ لدلالة الكَلاَم عَلَيْه.
قال الضَّحَّاك : نَزَلَت هذه الآية في وَحْشي قاتلِ حمْزة، أشْرك باللَّه، وقتل حَمْزَة، ثم جاء إلى الرَّسُول ﷺ، فقال : إني لَنَادِمٌ، فهل لي من تَوْبَةٍ ؟. فنزلت هذه الآية(٨).
وروى سُفْيَانُ عن ابن مَسْعُودٍ، قال : من قرأ هَاتَيْن الآيَتين(٩) من سُورة النِّسَاء، ثم اسْتَغْفَرَ، غُفِرَ له وقرأ :﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] الآية،
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ﴾ [النساء: ٦٤] الآية(١٠).
وعن عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قال : حدَّثَنِي أبُو بكر، وصدق أبُو بكر قال : ما من عَبْدٍ يُذْنِب ذَنْباً، ثم يَتَوَضَّأُ، ويُصَلِّي رَكْعَتَيْن، ويستغفر الله، إلا غَفَرَ له، ثم تَلاَ هذه الآيَة [ ﴿ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه﴾(١١) الآية قال ابن عَطيَّة(١٢) : قوله :" يَجِدِ اللَّه " أي : يجد عِنْدَه المَغْفِرة والرَّحْمَة، فجعل المَغْفِرَة كالمورد يرده التَّائِب ](١٣) المُستْغَفِر.
١ في أ: بإثم..
٢ في أ: أيضا لا..
٣ في ب: إليه..
٤ في أ: تحصينا..
٥ سقط في ب..
٦ في ب: أن..
٧ ينظر: تفسير الرازي ١١/٣٠..
٨ ذكره القرطبي في تفسيره ٥/٢٤٣-٢٤٤..
٩ في أ: الكلمتين..
١٠ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٨٧) وعزاه لعبد بن حميد عن ابن مسعود..
١١ ذكره السيوطي بهذا اللفظ في "الدر المنثور" (٢/٣٨٨) وعزاه لابن أبي حاتم وابن السني في "عمل اليوم والليلة" وابن مردويه عن أبي بكر وللحديث شاهد من حديث أبي بكر أيضا ولكن ليس فيه ذكر الآية أخرجه أحمد (١/١١) وأبو داود (١٥٢١) والترمذي(٣٠٠٩) وابن ماجه(١٣٠٥) وابن حبان(٦١١) عن أبي بكر مرفوعا بلفظ: ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له..
١٢ ينظر: المحرر ٢/١١١..
١٣ سقط في ب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى